سنعود كما عاد آباؤنا وأجدادنا، سنعود لا لنحكي الحكاية فحسب، بل ليكتبها أولادنا من جديد، حبًا وإيمانًا، ويرسموا خارطة الوطن كاملة، من قلب الجنوب الصامد إلى كل لبنان.
سنعود مرفوعي الرأس، لأن الحق حق، وإن تكاثرت عليه الحُثالة، فإن عطره لا يُقتل، وفكره لا يُهزم.
سنعود… لأن الجنوب ليس مجرّد أرض تُرسم على الخرائط، بل ذاكرة حيّة، تعلّمت كيف تحتضن الجميع.
منذ أن مرّ الفينيقيون على سواحله، وزرعوا بذور الحضارة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، بدأت ملامح الإنسان المنفتح على البحر والعالم تتشكّل، فانبثقت حضارة لم تكن مجرّد مكان، بل هوية.
ثم، بعد آلاف السنين، جاءت قبيلة عاملة من اليمن، عقب انهيار سد مأرب في القرن السادس الميلادي، فوجدت في الجنوب ملاذًا. هناك، امتزجت الجذور بالأرض، وتشكل وجه عربي جديد، يزاوج بين عمق الماضي ونبض الحاضر.
لم يكن الجنوب يومًا أحادي اللون…
فالمسيحيون كانوا من أوائل الحاضرين بعد العصور القديمة، حاملين رسالة الحضارة والتواصل.
ثم دخل الإسلام مع الفتوحات، فبرز حضور أهل السنة والجماعة في المدن الساحلية والمراكز الإدارية، تلاهم الشيعة الذين ترسّخ وجودهم في جبل عامل، فصاغوا عبر القرون هوية فكرية ودينية متجذّرة.
أما الدروز، فقد ظهروا لاحقًا، وانتشروا جزئيًا في بعض مناطقه، ليكونوا جزءًا من هذا النسيج المتنوّع.
هكذا تكوّنت الحكاية…
حكاية لا تُكتب بحبر واحد، بل بألوان متعددة:
الفينيقي، العاملي، المسيحي، السني، الشيعي، الدرزي…
كلّهم حضارة، وكلّهم صمود، وكلّهم شاهد على أن هذه الأرض تتّسع للجميع، وأن من يحاول اقتلاعها يجهل أن جذورها أعمق من كل مؤامرة.
ويحفظ التاريخ في صفحاته ملاحم شعبٍ أراد الحياة، فكسر قيد الوهم، وتحرّر بسواعد أبنائه، الذين رضعوا عشق الأرض مع حليب أمهاتهم، وتربّوا على العزة والكرامة من صدور آبائهم، ونشؤوا على البطولة والتضحية من حكايات أجدادهم.
هكذا شعب لا يُقهر..
ومهما اشتد الظلم، لا يزيده إلا صبرًا وإيمانًا وشجاعةً وصمودًا.