الإعلام الفوري في زمن الحروب: حين تتحول الكلمة إلى هدف!
كتب أ.د. أنور الموسى
في واقعة من أكثر الوقايع دلالة على خطورة الكلمة في الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة على لبنان، تعرّض جسر القاسمية القديم لغارة جوية أصابته بأضرار جزئية. خلال دقائق، سارعت بعض المواقع ووسائل الإعلام إلى بث خبر مفاده أن الجسر لم يُدمَّر بالكامل، وأنه لا يزال قائمًا، مع دليل حي يتمثل بصورة طازجة من مكان الاستهداف. لم تمضِ ساعات حتى عادت الطائرات لتستهدف الجسر مرة أخرى، وهذه المرة جرى تدميره بشكل كامل. في هذه الحادثة، بدا وكأن المعلومة التي نُشرت على عجل لم تكن مجرد خبر، بل تحولت إلى جزء من المشهد الميداني نفسه، وكأن الكلمة استكملت ما لم تُنهِه الغارة الأولى… ما يطرح الأسئلة الحاسمة: هل يمكن لخبر عاجل أن يُنهي ما لم تُنهِه ضربة عسكرية؟ وهل تتحول صورة أو جملة إلى إحداثية غير مباشرة؟ وهل يصبح الإعلام، من قصد أو من دون قصد، شريكًا في استكمال الاستهداف؟ وأين يقف الحد بين حق الناس في المعرفة وواجب حماية الأرواح؟
الواقع أنه في الحرب الشرسة حاليا، لم تعد المعلومة عنصرًا محايدًا، بل غدت أداة يمكن أن تُستخدم بطرق تتجاوز نية ناشرها. حين يُقال إن صاروخًا سقط ولم ينفجر، فإن هذه الجملة قد تعني عسكريًا أن الهدف لم يتحقق بعد. وحين يُنشر أن مبنى ما لم يُهدم بالكامل، فإن ذلك يفتح الباب أمام إعادة استهدافه. وحين يُتداول أن شخصًا مستهدفًا أُصيب فقط ونُقل إلى مستشفى بعينه، فإننا لا ننقل خبرًا إنسانيًا فحسب، بل نكشف موقعًا قد يتحول إلى هدف جديد. وحتى البث المباشر الذي يُظهر أضرارًا جزئية في طريق أو جسر قد يتحول إلى إشارة غير مقصودة بأن المهمة لم تكتمل.
ومع وضوح هذه المخاطر، يستمر هذا النمط من النشر. السباق المحموم على السبق الصحفي يدفع كثيرين إلى تقديم السرعة على حساب التروي، والجمهور نفسه بات يطلب الخبر لحظة وقوعه، فيما فتحت وسائل التواصل الباب أمام كل فرد ليكون ناشرًا من دون تدريب أو ضوابط. في خضم ذلك كله، تتراجع المعايير المهنية أمام ضغط الحدث، وتُختصر المسافة بين المعلومة وتأثيرها إلى حدٍّ خطير.
لكن السؤال الأخلاقي يبقى الأكثر إلحاحًا. هل وظيفة الإعلام أن ينقل كل ما يرى فورًا، أم أن عليه أن يزن أثر ما ينشر؟ هل يكفي أن تكون المعلومة صحيحة، أم يجب أن تكون أيضًا آمنة؟ في زمن الحرب، لا يعود الإعلام مجرد ناقل، بل يصبح فاعلًا يتحمل مسؤولية مضاعفة، لأن الكلمة قد تُسهم في إنقاذ حياة كما قد تُسهم في تعريضها للخطر…
إن مواجهة هذا الخطر لا تكون بإسكات الإعلام، بل بإعادة ضبط وعيه. على المؤسسات أن تعتمد قدرًا من التأخير المسؤول حين تكون المعلومة حساسة، وعلى الصحفي أن يدرك أن ما يراه ليس دائمًا ما يجب نشره، وعلى الأفراد أن يتوقفوا لحظة قبل أن يضغطوا زر المشاركة، لأن إعادة النشر قد تكون أحيانًا أخطر من النشر نفسه. فالحروب اليوم لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالمعلومة أيضًا، وكل كلمة قد تتحول إلى جزء من المعركة من دون أن نشعر.
في المقابل، يبدو أن الطرف الإسرائيلي المعتدي، وعى لهذه القضية، إذ بالغ في كم الأفواه ومنع نشر الصور وأماكن الاستهداف..حتى أنه يتحكم بكل ما ينشر من خسائر وإصابات ويوجه الإعلام صوب اهداف بعدها غير مهمة كوقوع الصواريخ في أماكن مفتوحة أو صور شظايا مفعولها هزيل، أو الاعلان عن خسائر في بلدات عربية في الكيان المحتل…
في النهاية، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيرًا مما يُنشر بنية الإخبار قد يتحول، في سياق الحرب، إلى خدمة مجانية للقتل والتدمير. وبين اندفاع السرعة وغياب التروي، نقف أمام مفارقة قاسية: نريد أن نعرف كل شيء فورًا، لكننا قد ندفع ثمن هذه المعرفة من دمنا وأماننا، فإلى متى نظل نشارك، بوعي أو من دون وعي، في هذا الانتحار؟