بقلم د. رلى فرحات 

ذاكرة لبنان، لا يأتي 8 نيسان كتاريخٍ صاخب بالدم، بل كواحدٍ من تلك الأيام التي كانت تُطهى فيها الحرب على نارٍ خفيّة؛ يومٌ يسبق الانفجار ولا يخلو من رائحته. ففي سنوات ما قبل 13 نيسان 1975، يوم اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كان البلد يعيش تراكمًا بطيئًا للتوترات: انقسام سياسي، احتقان طائفي، وتداخل سلاح الداخل مع الخارج. لم يكن عين الرمانة في ذلك اليوم المشؤوم إلا الشرارة التي فجّرت ما كان يُحضَّر منذ زمن، في حادثة بوسطة عين الرمانة. وبين 8 نيسان الذي يشبه الهدوء المريب، و13 نيسان الذي دوّى فيه الرصاص، مسافة أيام قليلة تختصر سنوات من التصدّع والإنشقاق والدم والدمار، واستمر ذلك إلى عام 1990.
ثم لاحقًا، في عام 2005، عاد هذا التاريخ ليطلّ من جديد ضمن مشهد الانقسام والتعبئة، إثر اغتيال الرئيسرفيق الحريري في 14 شباط 2005، حيث شهد وسط بيروت تحركات وتظاهرات حاشدة لقوى سياسية بارزة رفعت شعارات داعمة للوجود السوري، في مواجهة تحركات معارضة، في مشهد كرّس انقسامًا حادًا بين فريقي 8 و14 آذار.
أما اليوم، يأتي 8 نيسان جديد، ليُثقل المشهد بدمٍ لا يجفّ؛ اعتداءات عنيفة مستمرة يقوم بها العدو الصهيوني منذ الفجر، مجازر تُرتكب خلال دقائق، عشرات بل مئات الضحايا بين شهيد وجريح ومفقود، وخراب يتمدّد في البيوت والطرقات وقلوب الناس. صورةٌ قاسية يرسمها الظلم بكل ألوانه وآلامه، فيما تعجز الكلمات أمام هول ما يجري، ويبدو الإنسان أعزل أمام آلة الحرب الجارفة التي تحصد الطفل والشاب والمسن، وتساوي بين الطوائف والمهن والمستويات الاجتماعية والاقتصادية، فتعانق الأرواح بعضها بعضًا وتعرج إلى السماء حاملة معها شهادة كفر كُتبت بالدم النازف.
لكن وسط هذا كله، ومع غياب المواقف الرسمية المستنكرة، وتخاذل أصحاب القرار، تُصبح الكارثة أكبر والصدمة أوجع.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نحمي إنسانيتنا كي لا نخسرها في زحمة الألم؟ فالتاريخ يهمس لنا أن الانهيار يبدأ حين يصبح الدم لغةً عادية، وأن النجاة لا تكون إلا بوعيٍ يحفظ الحياة، وبصوتٍ يرفض الظلم بدون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.
وهنا تظهر ضرورة المقاومة: مقاومة الجهل والخذلان والظلم، مقاومة من يحاول طمس الحق والكرامة، بمواجهة كل أشكال العدوان بأسلحة الحياة والمعرفة والوحدة الوطنية. عندها فقط، لا يكون 8 نيسان مقدّمةً لحرب جديدة… بل لحظة وعيٍ تحمي الإنسان، ونورُ خلاصٍ يضيء مسار الحياة ويدحض الكذب والنفاق..
كلمة للتاريخ:
حين يريد الشعب الحياة، يقف صامدًا، متحدًا، ويقاوم كل محاولة لإخضاعه أو طمس إرادته، مستمدًا قوته من وعيه وكرامته والتفافه حول الحق. فيكسر قيد حاكم، ويقطع رأس خائن، ويشل يدّ متطاول،… فيمحو دائرة الظلم وينتصر حتمًا.

رُلى فرحات
08-04-2026