أخلاق التفاوض” وحدوده

د. رُلى فرحات

11-04-2026

هل يُمكن التفاوض أصلًا على حقٍّ مُغتصَب؟

أم أن التفاوض، في هذه الحالة، لا يعود وسيلةً لإنهاء الظلم، بل أداةً لإدارته؟

الجواب، وإن بدا معقّدًا، إلا أنه واضح في جوهره:

في القانون الدولي، لا تُفاوض الحقوق… بل تُستعاد.

فمبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يتركان مجالًا لشرعنة الاغتصاب، بل يحدّدان أن التفاوض يكون على كيفية إنهائه، لا على قبوله.

لكن الواقع، كعادته، يُعيد تشكيل المبادئ وفق ميزان القوة:

فتارةً يكون التفاوض طريقًا لاستعادة الحق،

وتارةً يُفرض تحت الإكراه،

وتارةً أخطر، حين يُعاد رسم الواقع بالقوة، ثم يُطلب التفاوض انطلاقًا منه، فيتحوّل من استرجاعٍ للحق… إلى تقليصٍ للخسارة.

هنا تكمن المعضلة الحقيقية:

ليست في التفاوض، بل في نقطة بدايته.

فما يُقبل التفاوض عليه هو: زمن الانسحاب، آلياته، وضماناته.

أما ما لا يُقبل—في منطق العدالة—فهو: أصل الحق نفسه.

الأرض لا تُقاس بالنِسب، ولا تُستعاد بالأقساط.

وكل تفاوض يبدأ من افتراض أن للمغتصب “حقًا ما”…

هو، في جوهره، هزيمةٌ مؤجّلة تُغلَّف بلغة السياسة.

ومن هنا، لا يمكن فصل المبدأ عن الواقع:

ففلسطين ليست مجرّد ملف تفاوضي، بل جرحٌ مفتوح منذ النكبة، حين لم يكن ما جرى حدثًا عابرًا، بل نتيجة مسارٍ سياسي دولي مُحكم بدأ مع وعد بلفور، وتكرّس عبر قرارات الأمم المتحدة، حيث جرى تحويل أرضٍ مأهولة بشعبها إلى مشروع “تقسيم” مفروض، مهّد لقيام دولة إسرائيل على حسابه.

لم يكن ذلك “بيعًا” بالمعنى السطحي، بل تواطؤ مصالح دولية أعاد تشكيل الجغرافيا بالقوة، وحوّل الحقّ التاريخي إلى قضية تفاوض، بدل أن يبقى حقيقة غير قابلة للمساومة. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف سياسات فرض الأمر الواقع، من تهجيرٍ واستيطانٍ وتغييرٍ ديموغرافي، لتُدار القضية على طاولات السياسة كملفٍ قابل للأخذ والرد، لا كحقٍّ ثابت يجب أن يُستعاد.

وهنا تتكشّف المفارقة الأخطر: حين يُشرعن الاغتصاب بالصمت أو العجز، يتحوّل من جريمةٍ طارئة إلى نظامٍ قائم، يُعاد إنتاجه بأدواتٍ أكثر تعقيدًا، حيث تُلبس القوة ثوب القانون، وتُقدَّم المفاوضات كبديلٍ عن العدالة، لا طريقًا إليها.

أما لبنان، فليس خارج هذا المشهد، بل في صلب ارتداداته، يقف على تماسّ مباشر مع هذا الجرح المفتوح، حيث لم تكن حدوده يومًا بمنأى عن تداعياته. فمن اجتياح لبنان 1982 إلى الاعتداءات المتكررة، يتكرّس نمطٌ ثابت من الضغط والاستنزاف، يُبقيه في حالة تأهّب دائم، بين حربٍ لا تُعلن، وسلامٍ يبقى منقوصًا ما دام أصل النزاع (فلسطين) لم يُحلّ بعد.

وفي عمق هذا الواقع، لا يمكن إغفال ما حملته بعض التصريحات العلنية والرؤى الاستراتيجية من نزعات توسّعية تتجاوز الحدود القائمة، حيث يتحوّل الجوار إلى مجال نفوذ محتمل تحت مظلة “التوراة” ، وتُستخدم فيه أدوات متعددة: من القوة العسكرية المباشرة، إلى الإضعاف غير المباشر، إلى بث الفتنة وتعزيز الإنقسام العامودي ودغدغة مصالح البعض الدنيئة، بما يُبقي لبنان ساحة اختبار مفتوحة على احتمالات التصعيد.

وهكذا، لا يبدو ما يعيشه لبنان منفصلًا، بل امتدادًا لمسارٍ بدأ في فلسطين ولم يُحسم أصلُه، حيث يتحوّل فرض الأمر الواقع إلى سياسة، ويُعاد إنتاج الخلل نفسه بأشكال مختلفة، ليبقى البلد عالقًا في معادلة استنزاف مستمر، تُدار لا لإنهائها، بل لإبقائها تحت السيطرة. (ولن أدخل في سردية الثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي…)

وحين لا يُحاسَب الاغتصاب… يتحوّل إلى سلوك.

وحين يُكافأ الصمت… يتكرّس التعدّي.

إن ما نعيشه اليوم ليس حدثًا منفصلًا، بل امتداد لمسارٍ لم يُعالج في أصله.

فالحاضر، بكل تعقيداته، ليس إلا إعادة كتابةٍ للأمس—لكن بلغةٍ أكثر قسوة.

وتبقى القاعدة الماسية:

صاحبُ الحقّ سلطان،

فلا يضيع حقٌّ وراءه مُطالب،

يقدّم روحه عشقًا، ويبذل ما يملك رِضى،

كرمى لكرامة الوطن، وصون عِرضه، وحفظ عزّة أبنائه…