بعض كلمات لعلّها تصل إلى أعماقنا فتُغيّر جدار الفصل بين ماضينا ومستقبلنا بقلم د. رُلى فرحات – 29-04-2026
يُحكى أنّ المعضلة الكبرى في مناهج التعليم اللبنانية تكمن في مادة التاريخ. يجتمع القيّمون في كل مرة لمناقشة توحيد كتاب التاريخ، وبالطبع يفشلون. لماذا؟
لأن الاختلاف ليس في القصة، بل في سردية أبطالها؛ فمَن تراه جهةٌ صديقًا، تراه جهةٌ أخرى عدوًا… وهكذا.
دعونا من تاريخ الحروب والقائمقاميات والإمارات والإقطاعيات، فهي لن تجلب لنا إلا مزيدًا من الشقاق والانقسام. ولننظر إلى المجتمع اللبناني ومكوّناته من منظار أوسع وزاوية مختلفة.
والسؤال هنا:
هل تركيزنا على التاريخ يمنحنا وجودًا أفضل وحياةً أحسن؟
وهل فعلًا ما يحتاجه أطفالنا هو التاريخ، ونحن قد أضعنا الجغرافيا؟
أم أنهم بحاجة إلى العلوم المختلفة، بينما نحن هجرنا العقول، وسرقنا المقدّرات والثروات، بل وأطفأنا شعاع الإبداع؟!
ماذا عن كتاب التربية الذي يتضمن معلومات لا تجدها إلا فيه؟ عن الوحدة الوطنية، وإشارات السير، والحدائق العامة، والحقوق…؟
أليس اسم الوزارة هو “التربية والتعليم”؟ ألا يرمز تقديم التربية على التعليم إلى دلالة عميقة؟!
قال الشاعر أحمد شوقي:
“إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا”
وباختصار، فإن بناء المجتمعات لا يقوم على من فتح وحكم وشيّد،
بل على من ربّى وحصّن، وزرع القيم التي بها تتحرر العقول وتُبنى الأوطان.
فلعلّنا، قبل أن نُعيد كتابة التاريخ، نُعيد كتابة أنفسنا؛ نُرمّم ما تهدّم في داخلنا، ونُصالح ذاكرتنا مع مستقبلنا، ونُدرك أن الأوطان لا تُبنى على رواياتٍ متنازعة، بل على إنسانٍ متماسك يعرف كيف يختلف بدون أن ينقسم، وكيف يتذكّر بدون أن يُعيد إنتاج الجراح.
وهكذا نتمكّن من تربية أطفالنا وتنشئتهم على القيم والأخلاق والمحبة والتوازن والشبع… فنطمئن أن تاريخنا، السابق والحالي والقادم، سيكون بأيدٍ أمينة، لا تكتبه النزاعات بل تصونه القيم..