مقال بقلم د. رُلى كامل فرحات 03-05-2026

منذ نشأتنا، يتردّد على مسامعنا، مع كل صراع أو انقسام، مصطلح “الطابور الخامس”، إنّه التفسير الجاهز لكل ما يحدث، وكأنّ المجموعات المتنازعة بريئة مما جرى. لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: ما معنى هذا المصطلح؟

مصطلح “الطابور الخامس” يُستخدم لوصف جماعة أو أفراد داخل دولة أو مجتمع يعملون سرًّا لصالح عدو خارجي، بهدف إضعاف البلد من الداخل عبر نشر الفتنة، أو التضليل، أو التخريب.

أصل المصطلح يعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية، حين قال أحد القادة العسكريين إن لديه أربعة طوابير تحاصر العاصمة، و”طابورًا خامسًا” داخلها يدعم الهجوم من الداخل.

بشكل مبسّط:
جماعة الطابور الخامس ليسوا أعداء ظاهرين، بل يبدون كأنهم جزء من المجتمع. يخدمون مصالح جهة معادية (سياسيًا، إعلاميًا، أو أمنيًا). ويعملون على إضعاف الثقة، إثارة الفوض، زعزعة الأمن، وكل ما هو منصوص في “أجندتهم” كُرمى لحفنة دولارات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
ومازال حتى اليوم يُستخدم المصطلح كثيرًا في الخطاب السياسي والإعلامي، وأحيانًا يُستعمل بشكل مبالغ فيه أو كاتهام، لذلك من المهم التمييز بين الاستخدام الحقيقي والدعائي له.

من ناحية ثانية وبما أننا في شهر أيار / مايو شهر التوعية بالصحة النفسية، السؤال: هل يمكننا أن نُقارب بين مصطلح “الطابور الخامس” و “الميدان النفسي”؟

نعم، يمكننا ذلك، لكن بدقة علمية يجب القول:
لا يوجد مصطلح رسمي في علم النفس يحمل هذا الاسم، بل يمكن فهمه كمجاز يُسقَط على ظواهر نفسية مدروسة وموثّقة.
كيف يُترجم المفهوم نفسيًا؟
في علم النفس، هناك مفاهيم تفسّر “عدوًا من الداخل” بطريقة علمية، منها:
التخريب الذاتي (Self-handicapping)
التخريب الذاتي لا يُعدّ مصطلحًا تشخيصيًا مستقلًا في التصنيفات الحديثة، لكنه مفهوم راسخ في علم النفس يصف نمطًا من السلوكيات أو العمليات المعرفية التي تعيق تحقيق الأهداف رغم رغبة الفرد بها. وقد تناولته أبحاث علم النفس الاجتماعي والسريري ضمن إطار ما يُعرف بـ الإعاقة الذاتية التي قدّمها العالمان ستيفن بيرغلاس وإدوارد جونز، حيث أظهرا أن بعض الأفراد يضعون عوائق أمام نجاحهم (عن قصد أو دون وعي) لحماية صورتهم الذاتية من الفشل.
في هذا السياق، لا يكون التخريب الذاتي دائمًا فعلًا مباشرًا، بل قد يظهر في أشكال خفيّة مثل:
– التسويف المزمن وتأجيل الفرص المهمة
– تجنّب التحديات رغم القدرة عليها
– اختيار بيئات أو علاقات تعيق التقدّم
– تبنّي أفكار سلبية عن الذات (كالشعور بعدم الكفاءة)
وترتبط هذه الأنماط غالبًا بعوامل نفسية عميقة، منها:
– تدنّي تقدير الذات
– الخوف من الفشل أو حتى الخوف من النجاح
– صراعات داخلية كما في التنافر المعرفي.
– استخدام غير مرن لبعض آليات الدفاع النفسي
وتشير دراسات حديثة في علم النفس السريري إلى أن هذا النمط قد يتحول إلى حلقة مفرغة، حيث يفشل الفرد، فتتعزز نظرته السلبية لذاته، فيزداد سلوكه المُعيق، ثم تتكرر النتيجة.

التخريب الذاتي ليس ضعفًا في الإرادة بقدر ما هو استراتيجية نفسية غير واعية لحماية الذات من ألم أعمق (كالرفض أو الفشل)، لكنه بالمفارقة يقود إلى النتيجة التي يخشاها الفرد.
ليس كل سقوطٍ سببه العثرة… أحيانًا، نحن من نُمهّد الطريق للسقوط بدون أن نشعر. إذحين يخاف الإنسان من فشلٍ محتمل، قد يختار—بلا وعي—أن يفشل بطريقته، ليبقى الألم تحت سيطرته… ولو كان الثمن أن يخسر نفسه!!!
هذا يشبه “طابورًا خامسًا داخليًا” يعمل ضد مصلحته.

التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)
طرح عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر، عام 1957 نظرية التنافر المعرفي في كتابه A Theory of Cognitive Dissonance، وهو الصراع بين الأفكار والمعتقدات، ما قد يدفع الشخص لتبرير سلوكيات مضرة أو تبنّي مواقف متناقضة تضعفه نفسيًا.
وهذا يختلف جذريًّا عن الاتساق المعرفي الذي هو عبارة عن حالة الانسجام بين أفكار الإنسان ومعتقداته وسلوكياته، بحيث لا يشعر بصراع داخلي أو توتر.
التنافر المعرفي = صراع داخلي وعدم راحة
الاتساق المعرفي = انسجام وراحة نفسية

العدوانية الموجّهة نحو الذات
إنّ الإنسان حين يتألم، لا يختار دائمًا أن يصرخ، فإمّا أن يُدير ألمه نحو الداخل فيستدخله فيصمت وينكسر. وإمّا أن يقذفه نحو الخارج فيُخرجه فيؤذي ويصطدم.
وبين الاستدخال والإخراج… تتشكّل معارك النفس الخفية، حيث تتحوّل مشاعر الغضب أو الإحباط إلى الداخل بدل الخارج، فتُكتم وتؤذي النفس بدلًا من حمايتها.

آليات الدفاع النفسي
كما شرحها سيغموند فرويد، وهي استجابات نفسية لاواعية تهدف إلى حماية “الأنا”. بعض هذه الآليات، رغم أنها تهدف لحماية الأنا عند الشخص، قد تتحوّل إلى عوامل تعطيل لمسار الحياة (كالإنكار أو الإسقاط) فتشوّه إدراك الواقع وتجلب تبعيات أخطر من الموقف نفسه.

هل هذا إسقاط علمي دقيق؟
نعم كمجاز تحليلي: يستخدمه بعض الكتّاب والمعالجين لوصف الصراعات الداخلية أو القوى النفسية التي تعمل ضد مصلحة الفرد.
لكنه ليس مصطلحًا تشخيصيًا: إذ لا يُستخدم في الأبحاث أو التشخيصات الرسمية (مثل DSM-5).

في الخلاصة، يمكن عد “الطابور الخامس النفسي” صورة بلاغية تعبّر عن أفكار، صراعات، أو أنماط داخلية تهدم الإنسان من الداخل دون أن يشعر.
وهذا الطرح له جذور في نظريات علمية راسخة، لكنه يبقى تعبيرًا أدبيًا-تحليليًا أكثر منه مفهومًا علميًا مستقلًا.

وعليه، نقول في هذا السّياق أن في داخل الإنسان، قد لا يكون الخطر دائمًا قادمًا من الخارج… بل من تلك الأصوات الخفيّة التي تهمس له بالانسحاب حين يجب أن يقاتل، وبالشك حين يجب أن يثق، وبالخوف حين يكون الأمل ممكنًا.
هنا، لا يعود “الطابور الخامس” مجرد مفهوم سياسي، بل يتحوّل إلى حالة نفسية دقيقة؛ حيث تتسلّل أنماط التخريب الذاتي، وتتفاقم صراعات التنافر المعرفي، فيجد الإنسان نفسه ينهار من الداخل بدون أن يدرك أن العدو يسكنه.

إن أخطر ما قد يواجهه الإنسان، ليس ما يُفرض عليه، بل ما يتبنّاه بدون وعي… حين تتحوّل آلياته الدفاعية إلى أدوات هدم، وتصبح ذاته ساحة صراع بين ما يريد أن يكونه، وما يخشى أن يواجهه. وهنا تكمن صورة التحديات التي تتحول إلى اضطرابات وأمراض نفسية إذا لم تُعالج..

وهكذا، يتضح أن “الطابور الخامس” ليس دائمًا كيانًا خارجيًا فقط، بل قد يجد امتداده في الداخل الإنساني على شكل صراعات نفسية خفية.
ومن هنا يصبح علم النفس أداة لفهم هذا الامتداد الداخلي، حيث يمكن للعدو أن يتخفّى أحيانًا داخل أفكارنا قبل أن يظهر في واقعنا.