الحرب النفسية الصهيوأمريكبة الخطيرة ضد الشعوب العربية!
بقلم أ.د. أنور الموسى
كان نعيم (اسم مستعار)يحمل جوازا أمريكيا في جيبه، وقلبا لبنانيا في صدره.
كان يتابع الأخبار كل ليلة، يسمع عن حشود تتحرك، وأساطيل تقترب، وخرائط تشتعل على الشاشات. قيل له: إن السفر إلى لبنان مغامرة غير محسوبة، والمنطقة على فوهة بركان. تردد؛ فألغى رحلته مرة تلو أخرى. قال في نفسه: حين تهدأ الأمور أذهب.
لكن الأمور لم تهدأ، وأمه لم تنتظر. رحلت فجأة. لم يكن إلى جانبها.
وطمنذ ذلك اليوم لم تعد الحرب عنده تحليلات سياسية، بل صارت وجعا شخصيا. دخل في حالة صدمة؛ أرق طويل، وشعور بالذنب، ونوبات بكاء مفاجئة، وخوف دائم من خبر عاجل جديد. لم تسقط قذيفة على بيته، لكن الحرب النفسية سقطت داخله.
الحرب النفسية الأمريكية الإسرائيلية ضد الشعوب العربية ليست مجرد تهديد عسكري محتمل، بل مناخ دائم من الترقب يُفقد الناس لذة النوم والأمان. العالم يحبس أنفاسه على حرب وشيكة على إيران، والإعلام يضخ صور الحشود والأسلحة المخيفة، فيتشكل شعور جمعي بأن الخطر قريب، حتى لو لم تبدأ المعركة.
والواقع أن أول ما تصيبه هذه الأجواء هو النفس، إذ تظهر اضطرابات القلق العام، ومن أعراضه توتر دائم،و تسارع في الأفكار، وترقب مفرط للأخبار، ثم الأرق؛ ساعات طويلة من التقلب في الفراش على وقع التحليلات والتسريبات، ثم نوبات الهلع؛ إحساس فجائي بأن كارثة ستقع الآن، ثم الاكتئاب الخفيف أو المتوسط؛ شعور بالعجز وفقدان المعنى.
وقد يصل الأمر إلى أعراض صدمية حقيقية كما حدث لذلك الرجل، حيث اجترار الحدث، ولوم الذات، وخوف مرضي من السفر أو الفقدان.
الحشود العسكرية حين تُعرض صورها ليست موجهة للجيوش وحدها، بل للوعي الجمعي. مشاهد حاملات الطائرات، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع المتطورة، تخلق رهبة تتجاوز الحسابات العسكرية. السلاح يصبح رسالة نفسية، والصورة تتحول إلى أداة ضغط.
الإعلام يضاعف الأثر، من خلال خبر عاجل يتلوه خبر عاجل، وخرائط ملونة، ومحللين يتحدثون عن ساعات حاسمة.
تتكاثر السيناريوهات، ويختلط التحليل بالتخويف. ومع كل إشعار على الهاتف يرتفع منسوب القلق. هكذا تتشكل بيئة نفسية مشبعة بالخطر.
ثم تأتي الزوبعة الاقتصادية، فالأسواق ترتجف قبل المدافع؛ تتقلب العملات، وترتفع الأسعار، وتتباطأ الاستثمارات، و يخاف الأب على راتبه، وتخاف الأم على أقساط المدرسة، ويخاف الشاب على فرصته في السفر أو العمل.. ومشاريع تتعطل، ومعاملات تتأخر، وسفر يضيق، ومصالح تتجمد. الخوف لا يصرخ دائما؛ أحيانا يكون صمتا ثقيلا وترقبا وانتظارا.
والسؤال المطروح هنا:ما بواعث هذه الحرب أو التهديد بها؟ إنها حسابات نفوذ وردع وضغط تفاوضي وإعادة رسم توازنات. لكن واقعها يظل محكوما بكلفة المواجهة وبشبكة المصالح الدولية. غير أن مجرد التلويح بها يكفي لإحداث أثر نفسي واسع. هنا تتحقق وظيفة الحرب النفسية: إنهاك المعنويات، وإشاعة الإحباط، وتعليق الناس في حالة انتظار دائم.
والسؤال العلاجي ههنا: كيف نحصن الفرد من تبعات تلك الحرب النفسية؟
يمكن تحصينه أولا بضبط استهلاك الأخبار، ومتابعة محدودة من مصادر موثوقة، لا انغماس دائم في سيل التحليلات. ثانيا بالتمييز بين الاحتمال والوقوع؛ ليس كل تصعيد مقدمة لحرب شاملة. ثالثا ببناء دوائر أمان عملية:تخطيط مالي مرن، وادخار ولو بسيط، وتنويع مصادر الدخل إن أمكن، وعدم تجميد الحياة بالكامل بانتظار المجهول. رابعا بالاهتمام بالصحة النفسية: نوم منتظم، وحركة يومية، وحديث صريح داخل الأسرة عن المخاوف بدل كبتها. خامسا بالوعي أن الخوف معدٍ كما الشائعة، وأن تهدئة النفس مسؤولية شخصية وجماعية.
ذلك الرجل الذي فقد أمه تعلّم متأخرا أن تعليق الحياة بانتظار الطمأنينة المطلقة قد يحرم الإنسان من لحظات لا تعوّض. الحشود قد تتراجع، والأسلحة قد تبقى في المخازن، والعناوين قد تتبدل، لكن الزمن لا ينتظر أحدا.
في زمن الترقب والرعب المخيم، المطلوب ليس إنكار الخطر، بل إدارة الخوف… أن نتهيأ من دون أن ننهار، وأن نخطط من دون أن نشلّ، وأن نحمي أبناءنا بالوعي لا بالهلع. فالسياسة تتقلب، والأسواق ترتجف ثم تستقر، والإنسان العاقل من يزرع في داخله مساحة ثبات وسط العواصف.
لقد صدق من قال: كلما أنبت الزمان قناة/ ركب المرء في القناة سنانا! لكن القناة هنا، ليست سلاحا ماديا، بقدر ما هي قناة استنزاف نفسي، وهنا تفرض التوعية النفسية الجمعية أهميتها في مجتمعاتنا….!