في إحدى ليالي النزوح، كانت عائلة صغيرة تجلس في غرفة ضيقة داخل مدرسة تحوّلت إلى مأوى. الأب يحدّق في هاتفه يتابع الأخبار، والأم تضم طفلها الذي يستيقظ مذعورًا كلما دوّى صوت بعيد يشبه الانفجار، والابنة المراهقة تحدّق في الفراغ كأنها تحاول أن تفهم كيف يمكن لحياة كاملة أن تنقلب في أيام قليلة. لم يكن الخوف وحده ما يسكن المكان؛ بل شعور ثقيل بالضياع، وكأن الزمن توقّف عند لحظة الرحيل.
بعد أيام بدأت ملامح الاضطراب النفسي تظهر: أرق طويل، قلق دائم، عصبية بلا سبب، وبكاء صامت في ساعات الليل. لم تعد المشكلة مجرد فقدان البيت، بل فقدان الإحساس بالأمان، وهو الركن الذي تقوم عليه صحة الإنسان النفسية.
الحروب لا تدمر المدن فقط، بل تترك في النفوس شقوقًا خفية. الإنسان بطبيعته يحتاج إلى قدر من الاستقرار حتى يعمل عقله وقلبه بسلام. وحين يعيش تحت التهديد المستمر، يصبح الجسد في حالة استنفار دائم؛ فيرتفع التوتر، ويضطرب النوم، وتتسارع الأفكار السوداء….
كثيرون يشعرون في أوقات الحروب بأنهم فقدوا السيطرة على حياتهم، وأن المستقبل صار غامضًا، وهذا الإحساس بالعجز قد يكون أقسى من صوت المدافع نفسها.
ومع ذلك، يمكن للإنسان أن يحمي نفسه نسبيًا من الانهيار النفسي. أول ما يحتاج إليه هو تقليل الانغماس في سيل الأخبار المخيف. المتابعة المستمرة للأحداث قد تبدو واجبًا، لكنها كثيرًا ما تتحول إلى وقود دائم للقلق. يكفي أن يعرف الإنسان ما يلزمه من معلومات، ثم يعود إلى حياته اليومية مهما كانت بسيطة. فالعقل يحتاج إلى مساحات من الهدوء كي يتوازن.
كما أن الحفاظ على الروتين، ولو في أبسط صوره، يمنح النفس إحساسًا بالثبات. إعداد الطعام، قراءة كتاب، مساعدة الأطفال في الدراسة، أو حتى ترتيب المكان المؤقت الذي يعيش فيه الإنسان؛ كل هذه الأفعال الصغيرة تعيد شيئًا من الشعور بأن الحياة لم تتوقف كليًا. الإنسان لا يعيش باليقين فقط، بل يعيش أيضًا بالعادات التي تمنحه إيقاعًا يوميًا يخفف الفوضى الداخلية.
ومن المهم كذلك أن يبقى الناس قريبين من بعضهم بعضًا. الحديث الصادق مع العائلة أو الأصدقاء يخفف ثقل الخوف. الكلمة الطيبة، والإنصات، وتبادل القصص اليومية الصغيرة، كلها أشكال من الدعم النفسي غير المرئي. فالعزلة في زمن الحرب تضخم القلق، بينما المشاركة تذيب جزءًا منه.
كذلك يحتاج الإنسان إلى أن يفسح لنفسه مجالًا للتعبير عن مشاعره بدل كبتها. البكاء أحيانًا، أو الكتابة، أو الدعاء، أو التأمل الهادئ، وسائل تساعد النفس على تفريغ التوتر المتراكم. أما الأطفال خصوصًا، فيحتاجون إلى الطمأنة المستمرة وإلى تفسير بسيط لما يجري حولهم، لأن خيالهم قد يصنع مخاوف أكبر من الواقع نفسه.
ويبقى الأمل عنصرًا نفسيًا أساسيًا. ليس الأمل إنكارًا للألم، بل قدرة على رؤية ما بعده. فكل حرب، مهما طال زمنها، تنتهي يومًا ما، وما يبقى بعدها هو الإنسان نفسه: روحه، وصلابته، وقدرته على النهوض من جديد.
وفي النهاية، حين ننظر إلى عائلة نازحة تحاول أن تنام في غرفة ضيقة، أو إلى طفل يسأل أمه متى يعود إلى بيته، يبرز السؤال الذي لا يريد العالم أن يطرحه بصدق:
أيُّ معنى يمكن أن تملكه حربٌ تجعل الإنسان يخاف من النوم، ويخاف من الغد، ويخاف حتى من أحلامه؟
د. أنور الموسى