مشروع “العلاج بالأدب”

من ثالوث أنور الموسى العلاجي إلى أفق المؤتمر الشامل:
العلاج التفاعلي بالأدب بوصفه مشروعًا بينيًا متكاملًا
بقلم: ريما يوسف جشي
متخصصة في علم النفس العيادي والمدرسي

انطلق مشروع “العلاج التفاعلي بالأدب” من رؤية فكرية وعلاجية عُرفت بـثالوث أنور الموسى العلاجي؛ ذلك الثالوث الذي يقوم على تفاعل النص، والذات، والمرشد أو المعالج، ضمن عملية دينامية تُعيد تشكيل المعنى، وتحوّل القراءة من فعل ثقافي إلى مسار علاجي واعٍ. لم يكن المشروع وليد تنظير معزول، بل تجربة حية بدأت في الفضاء الإعلامي عبر راديو طنجة، حيث طُرحت الفكرة للمرة الأولى بوصفها مقاربة علاجية تستثمر الأدب في إعادة بناء السرد الشخصي للإنسان، واستنهاض طاقاته الرمزية الكامنة.
ما لبثت هذه الفكرة أن وجدت صداها في غير وسيلة إعلامية؛ فتلقفها تلفزيون لبنان، وإذاعة صوت لبنان، ومنصة الضفة الثالثة، وبوابة التربية، وغيرها من المنابر التي رأت في المشروع محاولة جادة لإعادة وصل الأدب بالحياة، والنص بالعلاج، واللغة بالصحة النفسية. لم يكن الحضور الإعلامي مجرد عرض تعريفي، بل مساحة لنقاش علمي حول جدوى المقاربة، وحدودها، وإمكاناتها التطبيقية في السياقين العيادي والمدرسي.
وقد تطور المشروع إلى كتاب مستقل تناول فيه المؤلف الأسس النظرية والمنهجية للعلاج التفاعلي بالأدب، موضحًا مراحله الإجرائية ووظائفه المتسلسلة، ومبينًا خلفياته البينية التي تستند إلى علم النفس العيادي، والعلاج السردي، ونظريات التلقي، والنقد الأدبي، والمقاربات الإنسانية الوجودية. كما شارك المؤلف ببعض محاور المشروع في مؤتمرات علمية دولية، ما أتاح عرض التجربة في سياق عالمي، وفتح باب المقارنة والحوار مع مدارس علاجية متنوعة.
من هنا تبرز أهمية عقد مؤتمر شامل يتناول هذا المشروع في صورته المتكاملة، لا بوصفه فكرة إعلامية أو مبادرة فردية، بل باعتباره أنموذجًا علاجيًا بينيًا يستحق التأصيل العلمي والنقاش الأكاديمي المنهجي. إن المؤتمر المقترح يمكن أن يشكل منصة لتفكيك الثالوث العلاجي، وتحليل دينامية التفاعل بين النص والذات والمرشد، وتحديد الأسس النظرية التي يرتكز إليها، فضلًا عن مناقشة آلياته التطبيقية في جلسات فردية وجماعية.
العلاج التفاعلي بالأدب، كما يتبدى في بنيته الوظيفية، يقوم على سلسلة مترابطة من الوظائف العلاجية: التهيئة وبناء الأمان النفسي، واختيار النصوص وفق معايير سيكولوجية دقيقة، وتفعيل التفاعل القرائي، واستثارة الإسقاط الواعي وغير الواعي، وإعادة الصياغة السردية، ثم التكامل وإعادة المعنى. هذا التسلسل يمنح النموذج وضوحًا إجرائيًا، ويجعله قابلًا للتقويم والبحث، ويُخرجه من إطار الانطباعية إلى فضاء المنهجية.
إن قيمة المشروع تكمن في كونه ثمرة علاجات بينية، تستثمر الأدب لا بوصفه ترفا ثقافيا، بل أداة لإعادة بناء الذات. ففي زمن تتفاقم فيه الأزمات النفسية والاجتماعية، يصبح من الضروري استحضار أدوات تعيد للإنسان صلته باللغة والمعنى، وتمنحه فضاءً رمزيًا آمنًا يعيد من خلاله ترتيب خبراته المؤلمة.
المؤتمر الشامل المقترح لا يهدف فقط إلى عرض تجربة، بل إلى فتح نقاش علمي حول إمكان إدماج هذا النموذج في برامج تدريبية وأكاديمية، وإلى تحفيز بحوث تجريبية تقيس أثره في البيئات العيادية والمدرسية. كما يمكن أن يشكل مساحة تلاقٍ بين علماء النفس، والتربويين، والنقاد، والباحثين في العلوم الإنسانية، ما يعزز الطابع البيني الذي يشكل جوهر المشروع.
إن “العلاج التفاعلي بالأدب” يمثل محاولة لإعادة الاعتبار للبعد الثقافي والرمزي في العلاج النفسي، وإعادة وصل ما انقطع بين النص والذات. وعقد مؤتمر شامل حوله هو خطوة استراتيجية لترسيخه، وتقويمه، وتطويره، وتحويله من تجربة واعدة إلى إطار علمي معتمد يسهم في إثراء الممارسة النفسية في عالمنا العربي.