من الغرفة العلاجية إلى المسرح الرقمي: سؤال الأخلاق في زمن الظهور
بقلم د. رُلى كامل فرحات
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات مرآتنا الأولى، لم يعد العلاج النفسي يعيش فقط داخل الغرف العلاجية، بل انتقل — شاء أم أبى — إلى فضاء رقمي مفتوح، تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، وتُختزل فيه التجربة الإنسانية في اقتباسٍ مُصمَّم بعناية.
هنا تبدأ المفارقة.
فبين الواقع العيادي الذي يقوم على الإصغاء الصبور، والصمت العلاجي، والتحالف العلاجي العميق… وبين الصورة المصقولة على منصات التواصل الاجتماعي، تتسع فجوة دقيقة لكنها خطيرة.
في السنوات الأخيرة، تحوّلت بعض الحسابات النفسية إلى منصات عرضٍ أكثر منها مساحات تثقيف. “ستوريات” منتقاة، جمل ملهمة، مشاهد مكتبية هادئة، زوايا تصوير مدروسة… صورة تكاد تقول إن العلاج النفسي تجربة مُنظمة، مضيئة، متماسكة دائمًا.
بينما الحقيقة مختلفة تمامًا: العلاج مساحة فوضى منظمة، دموع صامتة، مقاومة، انتكاسات، إعادة بناء بطيئة.
لكن الأخطر من هذا التحوّل الشكلي هو اعتماد الثقة على التفاعل والمشاهدة الرقمية أكثر من
هوية المعالج تُغذّى بالتعليقات والإعجابات، وحضوره يثبت فقط حين يُشاهَد، فتتحوّل العلاقة العلاجية أحيانًا — بدون وعي — إلى وسيلة لإسقاط مخاوف شخصية أو ترميم عقدة نقص قديمة، أو لتعويض هشاشة داخلية عبر صورة المعالج الواثق دائمًا.
لكن الأخطر من هذا التحوّل الشكلي هو أن الثقة المهنية بدأت، عند البعض، تتغذّى من التفاعل الرقمي أكثر مما تستند إلى النضج الداخلي والجذور النفسية الداخلية.
هوية المعالج قد تصبح معلّقة بعدّاد الإعجابات، وحضوره قد يتماسك فقط حين يُشاهَد.
وهنا يحدث الانزلاق الهادئ.
فبدل أن تكون المنصة أداة توعية، قد تتحوّل — دون وعي — إلى مساحة لإشباع احتياجات غير محسومة داخل الذات.
بدل أن يكون المحتوى رسالة، يصبح أحيانًا غطاءً.
وبدل أن يكون الظهور خيارًا مهنيًا مدروسًا، يتحول إلى ضرورة نفسية خفية.
فيصبح المحتوى النفسي أحيانًا ستارًا، لا رسالة. ويتحول الظهور إلى حاجة، لا إلى أداة. وهنا يكمن السؤال الأخلاقي الحقيقي:
هل نستخدم المنصات لتثقيف الناس؟ أم نستخدم الناس لتغذية صورتنا؟
إن كفاءة الاختصاصي لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بانتشار المقاطع، ولا بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الإضاءة والصوت وصياغة العبارات.
الكفاءة تُقاس بالأثر الهادئ الذي لا يُرى، بمدى قدرة المعالج على احتواء الألم بدون استعراضه، وبمدى حفاظه على سرية العلاقة العلاجية في زمن يميل إلى كشف كل شيء.
في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع الخوارزميات توليد محتوى نفسي مقنع خلال ثوانٍ، يصبح التحدي أكبر:
ما الذي يميّز المعالج الحقيقي عن المحتوى الذكي؟
التميّز ليس في البلاغة، بل في الحضور الإنساني. ليس في سرعة النشر، بل في عمق الاحتواء.
العلاج النفسي الحقيقي مقاومة هادئة لثقافة الظهور. هو إعادة الاعتبار للإنسان ككائن يشعر قبل أن يُشاهَد. هو حماية للمهنة من التحول إلى عرض بصري، وحماية للمعالج نفسه من الوقوع في فخ بناء الثقة على التقدير الرقمي بدل الجوهر النفسي.
التوازن ممكن…
أن نستخدم السوشال ميديا كأداة تثقيف بدون أن نفرّط في جوهر العمل العيادي. أن نُظهر بدون أن نستعرض. أن نُعلّم بدون أن نُسقط. فالنجاح في العلاج ليس ما يُنشر، بل ما يتغيّر بصمت داخل من يلجأ إلينا.
تلك التغييرات الخفية — التي لا تراها الكاميرا، ولا تقيسها الخوارزمية — هي المعيار الحقيقي. وهي أيضًا، جوهر الممارسة النفسية كما نؤمن بها:
إنسان قبل محتوى، علاقة قبل صورة، عمق قبل انتشار.
وربما السؤال الأعمق ليس عمّا يحدث للمهنة فقط…
بل عمّا يحدث لنا نحن، ونحن نقف بين الغرفة العلاجية وضوء الشاشة.
هل نستطيع أن نبقى أوفياء لذلك الصمت الذي تعلّمنا احترامه؟
هل نحافظ على رهبة اللحظة العلاجية، حين ينهار إنسان أمامنا بلا فلاتر، بلا موسيقى خلفية، بلا تعديل إضاءة؟
العلاقة العلاجية لم تُبنَ يومًا على العرض، بل على الأمان.
ولم تتغذَّ يومًا على التصفيق، بل على الثقة الصامتة التي تُمنح في غرفة مغلقة، لا أمام جمهور.
المنصات ستبقى.
الخوارزميات ستتطور.
الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر إقناعًا.
لكن ما لن تستطيع أي شاشة محاكاته، هو تلك اللحظة التي يقول فيها الشخص (المريض أو المُيتشير): “أنا أشعر أنني مفهوم، شكرا لك”
تلك اللحظة لا تُنشر، لا تُصوَّر، ولا تُقاس، ومع ذلك… هي جوهر كل ما نفعل. فإذا كان علينا أن نختار بين أن نكون مرئيين… أو أن نكون حاضرين، فلنختر الحضور.
لأن المهنة التي تفقد عمقها في سبيل الضوء،
تخسر نفسها — حتى وإن ربحت جمهورًا.