بقلم د. رلى فرحات 

بين الزمن والصمود: الحرب على لبنان 2026

الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل اختبار للإرادة والصبر. لبنان عاش ثلاث محطات مهمة في تاريخه الحديث، وكل حرب حملت طابعها الخاص، المرتبط بالزمان والفصل:

تموز 2006 (صيف) استمرت 33 يومًا

في قلب الصيف، حيث الحرارة وضغط الوقت، واجه لبنان اختبارًا قاسيًا، لكنه أثبت قدرة لافتة على الصمود رغم قسوة الظروف.

أيلول 2024 (خريف) استمرت 66 يومًا

مع اعتدال الطقس، طال أمد المواجهة، واتسعت معها دائرة الاستنزاف، لتكشف الحرب عن تعقيدٍ أكبر في التوازنات الإقليمية.

آذار 2026 (ربيع) الحرب الحالية

في ربيعٍ يبدو هادئًا ظاهريًا، تتخذ الحرب مسارًا أكثر مرونة وتعقيدًا، حيث تسمح الظروف بالاستمرار والمناورة، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام مراحل أطول وأكثر تشابكًا.

الأرقام هنا ليست مجرد تواريخ، بل مؤشرات على تصاعدٍ في المدة والتعقيد، ما يرجّح أن تمتد هذه الحرب إلى ما بين 90 و110 يومًا، ضمن مراحل متدرجة تبدأ بالصدمة، مرورًا بالتثبيت والاستنزاف، وصولًا إلى الذروة، ثم الإغلاق.

مرحلة الصدمة (1–20 يومًا): بداية المواجهة، ضربات مفاجئة، واختبار سريع لقدرات كل طرف.

مرحلة التثبيت (20–50 يومًا): استقرار خطوط الاشتباك وفهم حدود القوة.

مرحلة الاستنزاف (50–90 يومًا): تعب نفسي وعسكري، وضغط داخلي وخارجي متزايد.

مرحلة الذروة (90–100 يومًا): تصعيد حاسم، حيث تتضح نتيجة الصمود والمعركة.

مرحلة الإغلاق (100–110 يومًا): تثبيت النتائج، وإعادة رسم المعادلة السياسية والعسكرية.

النقاط الحرجة — اليوم 33، 66، و99 — ليست محطات زمنية فقط، بل لحظات اختبار حقيقي للصمود، حيث يتحوّل الزمن من عدّادٍ للأيام إلى ميزانٍ للقدرة على الاحتمال وإعادة التموضع.

وعند اليوم 99 تقريبًا، أي مع بداية حزيران، تقترب الحرب من ذروتها، حيث تتكشّف النتائج، لا كحسمٍ مطلق، بل كتوازنٍ جديد يُفرض بفعل الصمود أكثر مما يُفرض بالقوة.

لكن، وهنا تتبدّل زاوية النظر…

لا يعود الزمن مجرّد أرقام نعدّها على التقويم، ولا تواريخ ننتظرها بقلقٍ أو رجاء، بل يتحوّل إلى شاهدٍ صامت على تحوّلاتٍ لا تُقاس بالأيام، بل بلحظات الانكسار ولحظات الصمود. فالحروب لا تنتهي حين نصل إلى يومٍ محدّد، بل حين تصل هي إلى نقطةٍ تعجز فيها عن الاستمرار بالمعنى ذاته؛ حين يتبدّل ميزانها، أو تتصدّع إراداتها، أو تتدخّل عوامل أكبر لترسم لها حدًّا جديدًا.

وبين انتظار النهاية ومحاولة استباقها، يبقى الإنسان هو الثابت الوحيد في معادلةٍ متقلّبة؛ يترقّب، يحلّل، يتألم، لكنه أيضًا يُعيد تشكيل وعيه مع كل مرحلة. فقد تنتهي الحرب قبل ما حسبناه، فجأةً كأنها لم تكن، أو تمتدّ لما بعده، كأنها تختبر صبر الزمن نفسه. وفي الحالتين، لا يكون الزمن هو الحاسم، بل ما يُصنع داخله من قرارات، وما يُفرض عليه من وقائع.

لذلك، لا نكتب التواريخ لنقيّد بها المصير، بل لنفهم من خلالها مساراته الممكنة؛ لا لنقول: “هنا تنتهي الحرب”، بل لنسأل: أيّ طريقٍ ستسلك قبل أن تنتهي؟ وأيّ تحوّلٍ سيجعل النهاية حتمية؟ فالنهايات في الحروب ليست لحظة تُعلن، بل نتيجة تُبنى… خطوةً خطوة، وقرارًا بعد قرار، حتى تبلغ تلك اللحظة التي لا تعود فيها الحرب قادرة على أن تكون ما كانت عليه.

وهكذا، يبقى الأفق مفتوحًا على كل الاحتمالات: نهاية مباغتة، أو امتداد مُرهق، أو تحوّل يعيد رسم المشهد بأكمله. لكن الحقيقة الأعمق أن الزمن لا يصنع النهاية وحده… بل الإنسان، حين يصل إلى الحدّ الذي يقرّر فيه أن ما بعد هذه الحرب، يجب أن يكون مختلفًا.

النصر في الحروب لا يُقاس بعدد الأيام التي مضت… بل بالإنسان الذي يخرج منها، هل انكسر… أم أعاد تعريف معنى الصمود؛ ولأن أصحاب الأرض هم الأحق بها، فهم وحدهم يعرفون دروبها، يستردّونها وعيًا وصبرًا وثباتًا، ويحفظونها كما تُحفظ الروح في الجسد.

رُلى فرحات