كان أبو كريم يجلس في زاوية الغرفة ممسكًا هاتفه كأنه طوق نجاة. منذ اندلاع الحرب لم يفارقه المحمول لحظة واحدة. يستيقظ ليلًا على صوت الإشعارات، يتنقّل بين عشرات مجموعات الواتساب، يقرأ كل خبر عاجل، وكل تسجيل صوتي، وكل صورة قاسية من ساحة القتال. لم يعد يميز بين الصباح والليل؛ فالأخبار تتدفق بلا توقف، والرسائل تتلاحق كأنها طوفان لا يهدأ.
مع الأيام تغيّر الرجل. صار متوتر الأعصاب، سريع الانفعال، قليل النوم، كثير الصمت. زوجته تقول إن عينيه أصبحتا قلقتين دائمًا، وأطفاله لاحظوا أنه لم يعد يضحك كما كان. لم تصبه رصاصة، ولم يسقط عليه صاروخ، لكن الحرب دخلت إلى رأسه عبر شاشة صغيرة لا تفارق يده. صار يعيش المجازر لحظة بلحظة، ويعيدها في خياله مئات المرات، حتى فقد توازنه النفسي تحت وطأة الخوف والترقب.
هنا يبرز سؤال ملحّ: ما سلبيات الإدمان على متابعة أخبار الحرب عبر مجموعات الواتساب؟
إن هذه الظاهرة، التي تبدو بريئة في ظاهرها، تتحول سريعًا إلى عبء نفسي ثقيل. فالتعرض المتكرر للمشاهد العنيفة والأخبار الصادمة يرفع مستوى القلق ويزرع الخوف في الأعصاب، حتى يشعر الإنسان أنه يعيش داخل الخطر نفسه. ومع كثرة الرسائل غير الموثقة تنتشر الشائعات وتضخم المخاوف، فيصبح القلق مضاعفًا: قلق من الحدث نفسه، وقلق من الأخبار المبالغ فيها أو المختلقة. ثم إن تدفق المعلومات دون توقف يمنع العقل من الاستراحة، فيظل الإنسان في حالة استنفار دائم، كأن الخطر يطرق بابه في كل لحظة.
ولعل من أخطر آثار هذه الظاهرة أنها تسلب الإنسان توازنه اليومي. فالمنشغل بالأخبار ليلًا ونهارًا يفقد القدرة على التركيز في عمله، ويهمل أسرته، ويغرق في توقعات سوداء عن المستقبل. كما أن مشاهدة صور الضحايا والدمار بشكل متكرر قد تترك آثارًا نفسية عميقة، تشبه ما يعرف بالصدمة غير المباشرة، حيث يعيش الإنسان الألم وكأنه شاهده بعينيه.
أما أسباب هذه الآفة فهي متعددة. فالخوف يدفع الناس إلى التعلق بأي خبر يظنون أنه يمنحهم شعورًا بالسيطرة على المجهول. كما أن سرعة وسائل التواصل تجعل تداول الأخبار أسهل من أي وقت مضى، فيتحول الهاتف إلى نافذة دائمة على القلق. ويضاف إلى ذلك الفضول الإنساني الطبيعي، الذي يتحول في زمن الحرب إلى متابعة مفرطة لا يدرك صاحبها أنها تستنزف طاقته النفسية.
ومع ذلك، يمكن الحد من هذه الظاهرة إذا وعى الإنسان خطورتها. فالتوازن يبدأ بتحديد أوقات محدودة لمتابعة الأخبار، والاعتماد على مصادر موثوقة بدل الغرق في الرسائل العشوائية. كما أن إغلاق بعض المجموعات أو كتم الإشعارات قد يكون خطوة ضرورية لحماية الصحة النفسية. والأهم من ذلك أن يملأ الإنسان يومه بأنشطة تعيد إليه شعور الحياة: حديث مع العائلة، قراءة هادئة، عمل نافع، أو حتى لحظات صمت تمنح العقل فرصة لالتقاط أنفاسه.
فالحروب قاسية بما يكفي، ولا حاجة لأن نحملها معنا في جيوبنا طوال الوقت. وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يوقف المدافع، فإنه يستطيع على الأقل أن يحمي روحه من الضجيج المستمر الذي يصنعه سيل الأخبار….
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح:
ألسنا نضاعف قسوة الحرب حين نحول هواتفنا إلى ساحات معارك صغيرة تلاحقنا في كل لحظة؟