التعتيم الإعلامي والحرب النفسية: كيف تزيف إسرائيل وأميركا الحقائق
أ.د. أنور الموسى
ينتشر بين الفينة والأخرى نبأ مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كالنار في الهشيم، ولا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي، مصحوبًا بفيديوهات معدلة غير واقعية، ما يثير حالة من الفرح والغبطة لدى من يكابدون نيران الظلم والمجازر الإسرائيلية المستمرة. لم يعد الأمر مجرد خبر، بل أصبح بداية سلسلة من التساؤلات حول مصداقية الأخبار في أثناء الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. هل قتل نتنياهو فعلاً؟ وهل مات بن غفير؟ وهل أبيدت القيادات الإسرائيلية في ملاجئ تحت الأرض كما أشيع؟ وماذا عن الخسائر الأميركية التي يُقال إنها كانت “حادثًا عرضيًا” أو “ماسًا كهربائيًا” لتخفيف الصدمة؟
كل هذه التساؤلات تثير إحباطًا متناميًا، إذ يصعب على المتابعين تمييز الحقيقة من الشائعات والتحليلات الزائفة، خصوصًا عندما تخضع الأخبار لرقابة صارمة من إسرائيل على المعلومات الحساسة، ولتفسيرات رسمية أميركية تهدف إلى الحفاظ على الروح المعنوية للأمريكيين…
وهكذا، تتضح الطبيعة الحقيقية للحرب بأنها ليست مجرد تبادل ضربات، بل معركة على مستوى الإعلام والمعلومات، حيث تُستخدم الشائعات والفجوات المعلوماتية بوصفها سلاحا نفسيا. الأخبار عن موت القيادات الإسرائيلية أو إبادة ملاجئ القيادة غالبًا ما تكون تحليلات أو سيناريوهات مبالغا فيها، لكنها تُروّج على أنها وقائع. في المقابل، التفسيرات الأميركية للخسائر، مثل إعلان سقوط طائرة أو تضرر معدات على أنه حادث عرضي أو خطأ فني، تكشف مدى التلاعب بالرواية الرسمية لإخفاء الواقع الميداني.
هذا الانكشاف المكثف للأخبار المضللة والفيديوهات المعدلة بالذكاء الصناعي يولد إحباطًا وفقدانًا للثقة في وكالات الأنباء، حتى تلك التي تتمتع بسمعة جيدة. يجد المتابع نفسه عالقًا بين تضارب الروايات، بين الشائعات والتحليلات غير المؤكدة، وبين الأخبار الرسمية المفلترة، ما يجعل من الصعب تكوين صورة موضوعية عن الوضع الحقيقي على الأرض. يتحول هذا الوضع النفسي إلى توتر مزمن، وترقب مستمر، وقلق دائم.
السبب الرئيس لهذا التشتت الإعلامي يعود إلى سياسة إسرائيل في التكتم على خسائرها العسكرية والمدنية خلال الحرب، سواء على مستوى القوات أو المواقع الاستراتيجية، حفاظًا على الروح المعنوية للجيش والسكان، ولمنع الخصم من استغلال أي معلومات تكتيكية تكشف نقاط ضعفها. يشمل هذا التكتم منع المواطنين من التصوير أو نشر فيديوهات وصور للدمار، ما يترك فجوة كبيرة في المعلومات ويتيح انتشار الشائعات والتحليلات المضللة على منصات التواصل…
ويبقى السؤال المقلق: إذا نجحت إسرائيل وأميركا في إخفاء خسائرهما على هذا النحو، فهل تستطيعان الاستمرار في ذلك على المدى المتوسط والبعيد؟ وهل سيظل الجمهور يصدق الروايات الرسمية في ظل هذه السياسات المضللة، أم أن الشفافية والحقائق ستنتصر في النهاية على التضليل الإعلامي المستمر؟!