بقلم د. رلى فرحات 

تتآمرون على شعبٍ أعزل جُلّه من النساء والأطفال، وتظنون بإطباق الخناق عليه تكسرون رباطة جأشه وعزة نفسه وكرامته؟!!!
هذا شعب لا يزداد إلا إصرارًا وصبرًا واحتسابًا،
هذا شعب لا يرى الموت إلا سعادة، وتكاثر الظلم إلا فرجًا،
١٤٠٠ سنة ولم تكفِكم لتفهموا سيكولوجية هذا الشعب،
فقد وقف أجداده بين يدي إمام زمانه في ليلة حالكة تحت حصارٍ مُطبق، لا ماء ولا ناصر، بل تتكالب عليهم حثالة البشر، وتسعى إلى إبادتهم أحقر النفوس،
ومع كل ذلك، وقف الشرفاء صفًا واحدًا وصوتًا واحدًا، على كلمة حق واحدة:
هيهات من الذلة… والله ما رأيتُ الموت في سبيل الله إلا سعادة، والعيش مع الظالمين إلا برمًا.
وهنا أستذكر ما مرّ على سيدنا يسوع المسيح وعلى أمه مريم العذراء، منذ ولدته وحتى اللحظة التي وقف فيها وحيدًا في وجه التآمر والافتراء، بعدما ضاقت القلوب بكلمة الحق، وضاقت الصدور برسالة الرحمة، فاجتمعوا عليه، وحاكوا له محاكمةً ظالمة، وأرادوا إسكات صوته لأنه قال للناس: أحبّوا بعضكم بعضًا.
وكأنّ التاريخ لا يتعب من إعادة المشهد ذاته:
نبيٌّ يُحارَب لأنه قال الحق،
ومظلومٌ يُحاصر لأنه رفض الذل،
وشعبٌ يُراد له أن يركع… فيزداد قيامًا.
فيا من تظنون أنكم تكتبون النهاية بدم الأبرياء…
تذكّروا أن التاريخ لا ينسى لحظات الغدر التي تبدأ بالتحريض وتنتهي بالمحاكمات الظالمة والدم المسفوك.
وأن من صفّقوا يومًا للظلم، استفاقوا بعد قرون على ندَمٍ لا يُغيّر شيئًا من صفحات التاريخ.
استفيقوا قبل أن تكتشفوا -متأخرين- أن الجريمة التي تُرتكب اليوم في حق شعبٍ أعزل، ليست إلا السطر الأول من مأساةٍ إنسانية سيحملها الجميع كما حمل ما سبقها منذ ١٤٠٠ سنة، وسيكون الوقود الدائم لتعزيز الكرامة والعزة والصمود.
فالمصير في هذه الأرض ليس منفصلًا كما تظنون، والدم حين يُهدر ظلمًا لا يبقى حبيس حدودٍ أو أسماء… بل يعود يومًا سؤالًا كبيرًا في وجه الإنسانية كلها:
من كان الضحية؟
ومن كان المتفرّج؟
ومن كان شريك الصمت؟
وأخيرا ليس آخرا، يا من تبيعون شركاءكم بالحق في هذا الوطن بثمن بخس، وتطوقون ابتهاجا لإعادتهم إلى سيرتهم الأولى التي صنعها أجدادكم بخذلانهم وتواطئهم، نصيحة لكم لوجه الله: إقرؤا التاريخ جيدا حتى تفهموا من هم هؤلاء المرابطين على الثغور بأرواح ملائكية، والمفترشين العراء بإبتسامة، والصامدين في بيوتهم بقلوب مطمئنة لأنها ذاكرة لله، مؤمنة بحكمه، بإنتظار الفرج، وتظنونه بعيدا وهو أقرب من طرفة عين، …
فقط انتظروا وإنا معكم لمنتظرين وإلى ربنا نشكو ظلمنا وهو خير حاكم بالعدل، جبار على المعتدين، وويل لمن يطاله غضب الله… وأعلم أنكم كأجدادكم مشككين…
درب الجلجلة وكربلاء، وجهان لحق واحد … ولا يضيع عند الله حق، وهو خير الحافظين.

د. رُلى فرحات
10-03-2026