حين نحتاج إلى الهروب قليلًا: كيف يخفف الخيال وحلم اليقظة وطأة الحياة؟
مساحات نفسية صغيرة لاستعادة الهدوء حين يصبح الواقع أكثر مما نحتمل

بقلم د أنور عبد الحميد الموسى/ صاحب مشروع العلاج التفاعلي بالأدب
قد لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى حلٍّ كبير. أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يبتعد قليلًا. ليس عن الحياة، ولا عن مسؤولياته، ولا عن أحبائه، وإنما عن الضجيج الداخلي الذي يتراكم حين تصبح الأيام أثقل من قدرتنا على الاحتمال.
موظف يجلس أمام شاشة الحاسوب، ينجز عمله، يجيب عن الرسائل، ويتظاهر بأنه بخير، بينما ذهنه في مكان آخر تمامًا. فجأة يتخيل نفسه جالسًا أمام البحر، بلا هاتف، ولا مواعيد، ولا أحد يطلب منه شيئًا. دقائق قليلة، ثم يعود إلى عمله.
أمّ أنهكها القلق على أطفالها، فتغلق عينيها للحظات وتتخيل بيتًا هادئًا، وأطفالها يضحكون، والليل يمر بلا أخبار سيئة. وشاب يعيش ضغطًا دراسيًا أو مهنيًا، يضع سماعاته، ويسمح لخياله بأن يصنع مشهدًا آخر: سفر، نجاح، مكان يحبه، أو حياة يتمنى أن يعيشها.
هل هذه مجرد أوهام؟ ليس بالضرورة. فالإنسان لا يعيش في الواقع الخارجي وحده. لديه قدرة داخلية على صناعة صور ومشاهد وأمكنة بديلة، وهذه القدرة يمكن أن تكون أحيانًا وسيلة لتنظيم الانفعال واستعادة التوازن النفسي. لكنّها قد تصبح مشكلة أيضًا إذا تحولت من استراحة قصيرة إلى هروب دائم من الواقع. وهنا تبدأ الحكاية النفسية الأكثر إثارة: متى يكون الهروب بالخيال راحة، ومتى يصبح فخًا؟
الإنسان يحتاج أحيانًا إلى «مسافة»
عندما يتعرض الإنسان لضغط متواصل، لا يكون عقله بحاجة دائمًا إلى مزيد من التفكير، بل قد يحتاج إلى التوقف. المشكلة أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن التوقف ترف. فنحن نعيش في ثقافة تكافئ الإنسان الذي يعمل باستمرار، ويرد بسرعة، ويتابع الأخبار، ويخطط للمستقبل، ويحمل همومه وهموم الآخرين. حتى الراحة أصبحت أحيانًا مهمة إضافية ينبغي إنجازها.
وهكذا يمتلئ الرأس بالأفكار: ماذا سيحدث غدًا؟ ماذا لو خسرت؟ ماذا لو مرض شخص أحبه؟ ماذا لو فشلت؟ ماذا لو لم أستطع تغيير شيء؟ ومع تراكم هذه الأسئلة قد يحتاج الإنسان إلى مساحة داخلية لا يكون فيها مضطرًا إلى الإجابة. هنا يمكن أن يعمل الخيال بوصفه مساحة نفسية مؤقتة.
العلاج بالخيال: عندما نصنع مكانًا آمنًا داخلنا
الخيال ليس مجرد قدرة فنية، إنه قدرة نفسية أساسية تسمح للإنسان بأن يتصور شيئًا غير موجود أمامه. وفي السياقات العلاجية يمكن توظيف التخيل الموجّه لمساعدة الشخص على خفض التوتر، واستحضار مشاعر الأمان، وإعادة تنظيم الانفعال، وبناء صور ذهنية أكثر قدرة على التهدئة.
قد يطلب المعالج من شخص شديد التوتر أن يغلق عينيه، ويتخيل مكانًا يشعر فيه بالأمان. قد يكون المكان شاطئًا، أو بيت الطفولة، أو حديقة، أو غرفة هادئة، أو مكانًا متخيّلًا لا وجود له أصلًا. ثم لا يكون المطلوب مجرد «التفكير في المكان»، بل بناء التجربة تدريجيًا: ماذا ترى؟ ماذا تسمع؟ ما درجة الحرارة؟ ماذا تشعر في جسدك؟ هل تستطيع التنفس بصورة أهدأ؟ هنا يصبح الخيال أداة لتنظيم الخبرة الانفعالية.
لكن لماذا يستطيع العقل أن يرتاح في مكان غير موجود؟
لأن الإنسان لا يستجيب فقط للأحداث الخارجية، بل يستجيب أيضًا للصور والمعاني التي يبنيها عنها. ولهذا يمكن للصورة الذهنية الهادئة أن تؤثر في الانفعال. قد لا يكون البحر موجودًا أمام الإنسان، لكن مجرد استحضاره بصورة منظمة قد يساعده على الانتقال من حالة الاستنفار إلى حالة أكثر هدوءًا.
وهذه ليست دعوة إلى إنكار الواقع. فالهدف ليس أن نقول للإنسان: «تخيل أن مشكلتك غير موجودة»، بل: «خذ استراحة نفسية قصيرة حتى تستطيع العودة إلى مشكلتك وأنت أكثر قدرة على التعامل معها». وهذا فرق جوهري.
حلم اليقظة: استراحة أم هروب؟
كل إنسان تقريبًا يعرف ذلك الشرود الذي يحدث فجأة. نكون في الحافلة، أو في المكتب، أو قبل النوم، ثم نجد أنفسنا نعيش مشهدًا آخر. نتخيل لقاءً لم يحدث، أو حوارًا تمنينا لو قلناه، أو نجاحًا نطمح إليه، أو سفرًا إلى مكان بعيد، أو حياة مختلفة.
هذا هو عالم حلم اليقظة. وحلم اليقظة ليس بالضرورة ظاهرة مرضية. قد يكون طبيعيًا، وقد يؤدي وظائف نفسية متعددة، منها التخيل، والتخطيط، والاستراحة الذهنية، واستكشاف الاحتمالات. فالإنسان يستطيع أن يتدرب في خياله على المستقبل قبل أن يعيشه.
الشخص الذي يتخيل نفسه وهو يلقي محاضرة ناجحة قد يكون، بصورة ما، يدرّب ذهنه على الموقف القادم. والذي يتخيل نفسه يتحدث بهدوء في موقف صعب قد يكون يبني سيناريو يساعده لاحقًا على التعامل معه.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح عالم الخيال أكثر جاذبية من الواقع إلى درجة تجعل الشخص غير قادر على العودة. وهنا السؤال ليس: هل يحلم الإنسان؟ بل: هل ما يزال قادرًا على العودة إلى حياته بعد الحلم؟
من «الاستراحة» إلى «العيش في الخيال»
هناك فرق بين شخص يأخذ عشر دقائق ليتخيل مكانًا مريحًا ثم يعود إلى حياته، وشخص يقضي ساعات طويلة في عوالم خيالية على حساب عمله وعلاقاته ونومه وواجباته.
في الحالة الأولى قد يكون الخيال وسيلة تنظيم. أما في الحالة الثانية فقد يصبح وسيلة تجنب. وهنا لا ينبغي أن نسأل فقط: «كم تتخيل؟» بل: «ماذا يحدث لك بعد التخيل؟»
إذا عاد الإنسان أكثر هدوءًا وقدرة على العمل، فالخيال أدى وظيفة مساندة. أما إذا عاد أكثر عجزًا عن مواجهة حياته، فقد يكون الخيال قد تحول إلى آلية هروب.
لماذا نهرب أصلًا؟
قد يكون الهروب نتيجة ضغط شديد، وقد يكون محاولة لتجنب مشاعر مؤلمة، وقد يكون خوفًا من الفشل، وقد يكون عجزًا عن تغيير الواقع، وقد يكون الإنسان قد اكتشف أن العالم الداخلي أكثر احتمالًا من العالم الخارجي.
وهنا ينبغي أن نكون رحماء في الحكم. فالشخص الذي يهرب إلى الخيال لا يفعل ذلك دائمًا لأنه ضعيف. أحيانًا يكون الخيال الطريقة التي اكتشف بها عقله كيف يمنحه دقائق من الراحة.
لكن العلاج لا يكمن في تحطيم الخيال، بل في مساعدته على العودة إلى الواقع دون أن يفقد تلك المساحة الداخلية التي تمنحه القوة.
تقنية «المكان الآمن»
يمكن استخدام تقنية بسيطة ضمن برامج الاسترخاء والتنظيم الانفعالي، بإشراف مختص عند الحاجة. يُطلب من الشخص اختيار مكان حقيقي أو متخيّل يشعر فيه بالأمان، ثم يبني صورته تدريجيًا: المكان، والإضاءة، والأصوات، والرائحة، والحرارة، ووضعية الجسد، والتنفس.
ثم يختار كلمة قصيرة مرتبطة بالشعور، مثل «هدوء»، أو «أمان»، أو «أنا هنا». والهدف ليس محو المشكلة، بل إعطاء الجهاز النفسي استراحة منظمة.
تقنية «الفيلم الداخلي»
يمكن أيضًا استخدام التخيل في الاستعداد للمواقف الضاغطة. يتخيل الشخص الموقف القادم كما لو أنه يشاهد فيلمًا، ثم يتخيل نفسه وهو يواجهه بهدوء. ليس المطلوب أن يتخيل أن كل شيء سيكون مثاليًا، بل أن يتصور نفسه وهو يتعامل مع الصعوبة: يتنفس، يتوقف، يفكر، يطلب المساعدة، يقول «لا»، يؤجل القرار، أو يغادر الموقف إذا أصبح مؤذيًا.
بهذه الطريقة يتحول الخيال من عالم للهروب إلى مختبر للتدريب النفسي.
والكتابة تستطيع أن تساعد أيضًا
يمكن للشخص أن يكتب رسالة لن يرسلها، أو يصف يومًا مثاليًا، أو يكتب حوارًا كان يتمنى أن يحدث، أو يصف المكان الذي يشعر فيه بالأمان، أو يكتب قصة قصيرة عن شخص مرّ بالمشكلة نفسها ثم وجد طريقة للتعامل معها.
إن إخراج الأفكار من الرأس إلى الورق قد يمنحها شكلًا يمكن النظر إليه بدل بقائها كتلة غامضة من القلق. وهنا تتقاطع الكتابة مع الخيال، وقد يصبح الأدب لاحقًا إحدى الوسائط التي يمكن توظيفها في هذا النوع من العمل النفسي.
ماذا عن الموسيقى والطبيعة؟
لا يعيش الخيال منفصلًا عن بقية الحواس. يمكن للموسيقى الهادئة أن تساعد بعض الأشخاص على الانتقال إلى حالة انفعالية أكثر استقرارًا، كما يمكن للطبيعة أن توفر بيئة تقل فيها المثيرات التي تغذي التوتر.
المشي، والنظر إلى الأشجار، والجلوس قرب البحر، والتنفس ببطء، ومراقبة الغيوم، كلها قد تتحول إلى طقوس بسيطة لاستعادة الانتباه إلى الحاضر.
وهنا نقترب من فكرة مهمة: ليس المطلوب دائمًا أن نحل الحياة؛ أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نخفض صوتها قليلًا.
الخيال ليس بديلًا عن العلاج
إذا كان الإنسان يعاني أعراضًا نفسية شديدة أو مستمرة، أو كان غير قادر على أداء وظائفه اليومية، فإن التخيل وحلم اليقظة لا ينبغي أن يُقدما بديلًا عن التقييم والعلاج النفسي المتخصص.
كما أن بعض الأشخاص قد يستخدمون الخيال أو الشرود بطريقة قهرية أو تجنبية، وهنا يصبح من المهم فهم الوظيفة التي يؤديها السلوك بدل الاكتفاء بمحاولة منعه.
العلاج النفسي قد يستخدم تقنيات مختلفة بحسب المشكلة، مثل العلاج المعرفي السلوكي، والاسترخاء، واليقظة الذهنية، والعلاج السلوكي، والعلاج السردي، والعلاج بالفن، والعلاج باللعب لدى الأطفال، وغيرها. والفكرة ليست اختيار تقنية واحدة للجميع، بل اكتشاف ما يساعد هذا الإنسان تحديدًا.
هل نحتاج إلى الهروب؟
ربما السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الهروب من واقعه، لكنه يحتاج أحيانًا إلى استراحة منه.
هناك فرق بين أن تغادر الواقع قليلًا كي تستعيد قدرتك على العودة إليه، وبين أن تغادره لأنك لم تعد قادرًا على احتماله. الأول قد يكون استراحة نفسية، والثاني قد يكون علامة تستحق الفهم والمساعدة.
ولهذا ربما ينبغي أن نتوقف عن السخرية من الشخص الذي «يشرد» قليلًا، وعن اتهام كل من يحلم بأنه يهرب من الواقع.
فالخيال من أعظم قدرات الإنسان. به بنى المدن قبل أن توجد، وتخيل المستقبل قبل أن يأتي، وكتب القصائد والروايات، واخترع ما لم يكن موجودًا، وصنع في داخله أماكن لم يستطع الواقع أن يمنحه إياها.
لكن الحكمة ليست في أن نعيش داخل الخيال، كما أنها ليست في أن نحرم أنفسنا منه. الحكمة أن نعرف متى ندخل إليه، ولماذا، ومتى نعود منه؟
ففي عالم يثقل الإنسان بالأخبار، والمسؤوليات، والقلق، والمقارنات، والخوف من المستقبل، قد تكون حاجتنا أحيانًا ليست إلى باب للهروب، بل إلى نافذة صغيرة نتنفس منها.
وربما يكون الخيال واحدة من تلك النوافذ….