حين عدتُ إلى منهجية البحث… هل تغيّر البحث أم تغيّر العالم
بقلم أ.د. أنور عبد الحميد الموسى
…حين أُسندت إليَّ من جديد مادة منهجية البحث لطلاب الماستر، بعد أن ابتعدت عنها سنوات، دخلت التجربة مطمئنًا إلى حدّ ما. قلت في نفسي: سأعود إلى مادة أعرفها جيدًا، أراجع ما كنت أدرّسه، أستعيد بعض الأمثلة، وأضيف إليها ما استجدّ خلال السنوات الماضية.
لكنني حين فتحت كتبي القديمة وبدأت أقرأ، حدث شيء لم أتوقعه.
توقفت.
أعدت القراءة.
ثم توقفت مرة ثانية.
لم تكن المشكلة أن المعلومات التي كنت أدرّسها أصبحت خاطئة، ولا أن المناهج التي عرفناها طوال عقود قد اختفت. كانت المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
شعرت أنني أقرأ كتبًا كُتبت لعالم لم يعد موجودًا.
وفجأة وجدت نفسي أمام سؤال لم أكن أتصور أنني سأطرحه على مادة درّستها طويلًا:
هل ما زال هذا هو البحث العلمي الذي نعلّمه لطلاب الدراسات العليا؟
لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة دخلت إلى قاعة الدرس. لقد دخل إلى قلب العملية البحثية نفسها.
فالطالب يستطيع اليوم أن يطلب من أداة ذكية اقتراح موضوعات، وصياغة أسئلة، واستكشاف دراسات، ومقارنة مناهج، وتحليل نصوص، وتلخيص مواد، واقتراح مراجع، بل وإعادة بناء أجزاء من بحثه في دقائق.
وهنا شعرت أن المسألة لم تعد مجرد إضافة فصل صغير إلى كتب المنهجية بعنوان «الذكاء الاصطناعي».
لقد تغيّرت البيئة التي يعمل فيها المنهج نفسه.
في الماضي كان الطالب يواجه مشكلة العثور على المعلومة. أما اليوم فقد يواجه المشكلة المعاكسة: سيلًا من المعلومات لا يعرف أيها صحيح.
كان يبحث عن المرجع، أما اليوم فقد تقترح له الآلة عشرات المراجع في ثوانٍ، ثم عليه أن يكتشف أيها موجود وأيها مختلق.
كان يبذل جهدًا في صياغة فقرة، أما اليوم فقد يحصل على فقرة جيدة الأسلوب في لحظات، لكن السؤال لم يعد: هل الفقرة سليمة؟
بل: هل فكرتها صحيحة؟ وهل لها دليل؟ ومن أين جاءت؟
وهنا انتقلت الصدمة عندي من الأداة إلى المنهجية نفسها.
إذا كانت الآلة تستطيع أن تقترح على الباحث منهجًا، وتقارن له بين المناهج، وتجرب معه قراءة أولية للنص، فهل يكفي أن نطلب من طالب الدراسات العليا أن يحفظ تعريف المنهج النفسي أو البنيوي أو الأسلوبي أو السيميائي، ثم يختار واحدًا منها كما كنا نفعل؟
وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج أكثر من قراءة للنص، أفلا ينبغي أن نعيد التفكير في طريقة تعليم التحليل نفسها؟
وإذا كان يستطيع أن يقترح فرضية، ألا ينبغي أن يتعلم الطالب كيف يختبرها، بل وكيف يطلب من الآلة نفسها أن تعارضها وتبحث عن مواطن ضعفها؟
لهذا بدأت أرى أن المسألة لا تخص منهجًا واحدًا.
كل المناهج تقريبًا تحتاج إلى أن تعيد النظر في علاقتها بالباحث وبالأداة وبالنص وبالمعلومة.
بل إن الأمر يتجاوز المناهج إلى الكتب التي ورثناها في تعليم البحث. فبعض الكتب القديمة، التي بين مزدوجين لأنها ليست عديمة القيمة ولا ينبغي أن نهدم ما فيها من خبرة علمية، تحتاج هي الأخرى إلى إعادة قراءة وتحديث؛ لا لأن ما فيها أصبح باطلًا، بل لأن السياق الذي كانت تعمل فيه تغيّر بصورة جذرية.
وهنا وجدت نفسي أمام إحساس غريب يصعب وصفه.
كأننا، بفعل الذكاء الاصطناعي، لم ننتقل إلى مرحلة جديدة فحسب، بل انتقلنا بالسحر إلى عالم آخر.
عالم نستطيع فيه أن نحاور آلة باللغة الطبيعية، وأن نطلب منها أن تقارن، وتلخص، وتحلل، وتقترح، وتجادل، وأن نحصل خلال دقائق على ما كان يحتاج في السابق إلى ساعات أو أيام من العمل.
وفي لحظات معينة، وأنا أتنقل بين ما كنت أعرفه وما أصبحت أراه أمامي، كان السؤال يبدو لي أكثر غرابة:
هل نحن فعلًا في المرحلة التالية من تطور البحث العلمي، أم أننا دخلنا، كالسحر، كوكبًا آخر؟
بل أحيانًا كنت أشعر أننا انتقلنا إلى حياة أخرى دون أن ندرك لحظة الانتقال؛ كأننا استيقظنا فجأة بعد موت عالم كامل، فوجدنا أنفسنا في عالم جديد ما زالت أيدينا تحمل كتب العالم القديم.
وهنا فهمت لماذا لم يعد تحديث المادة القديمة كافيًا.
لم أعد أمام حاجة إلى إضافة معلومات عن الذكاء الاصطناعي إلى منهجية البحث، بل أمام حاجة إلى أن أسأل من جديد: ماذا يعني أن يكون الإنسان باحثًا في عصر تستطيع فيه الآلة أن تساعده في جزء كبير من الأعمال التي كانت تُعدّ من صميم عمله؟
هذه الأسئلة هي التي دفعتني، مرة أخرى، إلى الكتابة.
فوجدت نفسي أعود إلى الورق، لا لأكتب كتابًا عن الذكاء الاصطناعي، وإنما لأحاول أن أفهم معه ماذا حدث للبحث، وللمناهج، وللباحث، ولطريقة إنتاج المعرفة نفسها.
ولعل المفارقة أنني، وأنا أدرّس الطلاب كيف يخططون لأبحاثهم، وجدت نفسي أعيش التجربة ذاتها: سؤال جديد، ثم إشكالية جديدة، ثم بحث طويل عن إجابة.
لكنني هذه المرة لم أكن أبحث عن موضوع لرسالة طالب.
كنت أبحث عن جواب لسؤال يخصنا جميعًا:
إذا كان العالم الذي تعلّمنا فيه البحث قد تغيّر بهذه السرعة… فهل يجوز أن نستمر في تعليم أبنائنا البحث بالكتب والمناهج نفسها وكأن شيئًا لم يحدث؟