اختتام ورشة «العلاج التفاعلي بالأدب في مواجهة الصدمات النفسية».. من النص إلى مسار التعافي
إشكاليات فكرية – خاص
في ظل ما تتركه الحروب والأزمات من آثار نفسية عميقة، وما تخلّفه من خوف وفقد واقتلاع وانتظار، تبرز الحاجة إلى مقاربات علاجية وإنسانية قادرة على مساندة الإنسان في التعبير عن خبرته المؤلمة وإعادة بناء معناها. وفي هذا السياق، اختُتمت أعمال ورشة «العلاج التفاعلي بالأدب في مواجهة الصدمات النفسية: من النص إلى التعافي»، التي شارك فيها الدكتور أنور عبد الحميد الموسى بدعوة من مركز فلسطين للصدمة، وبالتعاون مع مركز العلاج النفسي المستدام – لندن.
وتناولت الورشة إمكانات توظيف الأدب في المجال النفسي والعلاجي، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن النص الأدبي لا ينبغي أن يبقى محصورًا في وظيفته الجمالية أو المعرفية، بل يمكن، حين يوظف ضمن إطار علاجي علمي وتحت إشراف متخصص، أن يتحول إلى وسيط تفاعلي يساعد الإنسان على الاقتراب من خبراته الداخلية، والتعبير عن مشاعره، وفهم ما تعرض له، واستعادة قدر من الإحساس بالأمان والقدرة على التكيف.
وركز الدكتور أنور الموسى خلال الورشة على مفهوم العلاج التفاعلي بالأدب، الذي يقوم على التفاعل بين ثلاثة عناصر أساسية: الإنسان، والنص، والمعالج. ولا يقتصر هذا المدخل على القراءة، وإنما يوسّع التفاعل ليشمل الحوار، والاستبطان، والكتابة التعبيرية، وإعادة السرد، والرسم، والتخيّل، والتمثيل، وغيرها من الأنشطة التي يمكن تكييفها بحسب العمر والحالة النفسية وطبيعة الخبرة الصادمة.
وأكد الموسى أن التعامل مع الصدمة لا يبدأ بالضرورة من مطالبة الشخص بسرد الحدث المؤلم بصورة مباشرة؛ إذ قد يكون النص الأدبي مدخلًا أكثر أمانًا، يسمح للمراجع بأن يتحدث عن شخصية أو موقف أو صورة أدبية، ثم يكتشف تدريجيًا صلتها بتجربته الخاصة. ومن هنا تصبح القصة أو القصيدة مساحة وسيطة للتعبير، لا سيما عندما يكون الحديث المباشر عن الألم صعبًا أو مثقلًا بالخوف والمقاومة.
وتطرقت الورشة إلى عدد من التقنيات التي يمكن توظيفها في هذا السياق، ومنها التساؤل العلاجي حول النص، والإسقاط الرمزي، وإعادة السرد، والكتابة التعبيرية، والتخيّل الموجه، والحوار الداخلي، واستخراج المعاني الشخصية من النص، وربط التجربة الأدبية بالخبرة الواقعية، إلى جانب تقنيات التهدئة والتنفس والتأريض والاسترخاء.
كما جرى التأكيد على أهمية ألا يُنظر إلى العلاج التفاعلي بالأدب باعتباره بديلًا عن العلاجات النفسية القائمة على الأدلة في حالات الصدمة واضطرابات ما بعد الصدمة، وإنما باعتباره مدخلًا يمكن أن يتكامل مع الأساليب العلاجية المناسبة للحالة، بما في ذلك العلاج المعرفي السلوكي، والعلاج المتمركز حول الصدمة، والعلاج باللعب للأطفال، والفنون التعبيرية، وتقنيات التنظيم الانفعالي والاستقرار النفسي.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في التعامل مع الأطفال واليافعين الذين مروا بخبرات الحرب أو النزوح أو الفقد؛ إذ يمكن للقصة أن تمنح الطفل لغة رمزية للتعبير عما يصعب عليه قوله مباشرة، كما يمكن للأنشطة الأدبية والفنية المصاحبة أن تساعده على التعرف إلى مشاعره، وتنمية قدرته على تنظيمها، واستعادة الإحساس بالأمان والانتماء والأمل.
كتاب جديد يوسّع المشروع
وفي سياق متصل، يعمل الدكتور أنور عبد الحميد الموسى على إعداد كتاب جديد يتصل بهذا المسار، ويتجه إلى تقديم معالجة أوسع للعلاقة بين سيكولوجية الصدمات والعلاج التفاعلي بالأدب، مع التركيز على بناء منهج متكامل يمكن الإفادة منه في فهم الخبرات الصادمة والتعامل مع آثارها النفسية.
ويأتي هذا العمل امتدادًا لمشروع الموسى السابق في «العلاج بالأدب: النظرية والمنهج والتطبيق»، لكنه يتجه بصورة أكثر تخصصًا نحو مجال الصدمات واضطرابات ما بعد الصدمة، مع الاستفادة من الأدب والفنون والتقنيات النفسية المساندة في بناء تصور علاجي متكامل.
ويطمح الكتاب إلى الانتقال من مجرد الحديث عن القيمة النفسية للأدب إلى البحث في كيفية تحويل التفاعل مع النص إلى ممارسة علاجية منظمة، تقوم على أسس نظرية وإجراءات تطبيقية وتقنيات قابلة للتكييف مع الأطفال واليافعين والراشدين، ولا سيما الفئات التي عاشت الحروب والفقد والنزوح والخبرات المؤلمة.
ومن المنتظر، وفق هذا التصور، أن يشكل الكتاب إضافة جديدة إلى مشروع العلاج التفاعلي بالأدب، من خلال توسيع مجاله نحو واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في الصحة النفسية المعاصرة: كيف يمكن للإنسان أن يعيد صياغة علاقته بالخبرة المؤلمة، بدل أن تظل الخبرة هي التي تعيد صياغة حياته؟
من الكلمة إلى المساندة النفسية
وتنبع أهمية هذا المشروع من الإيمان بأن الإنسان، في مواجهة الألم، لا يحتاج إلى تفسير معاناته فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى لغة يستطيع من خلالها التعبير عنها. وقد يكون الأدب، في السياق العلاجي المناسب، إحدى هذه اللغات.
ومع الألم الذي يثقلنا، وما تتركه الحروب من خوف وفقد وانتظار، يبقى الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكون مساحة للنجاة، وأن الأدب، حين يوظف في سياق علمي وعلاجي مسؤول، يمكن أن يفتح طريقًا نحو الفهم والتعبير وإعادة بناء المعنى.
وفي ختام الورشة، وجّه الدكتور الموسى الشكر إلى الجهات المنظمة والقائمين على البرنامج، ولا سيما الأستاذ الدكتور سعيد الكحلوت، والاستاذ د محمد الطويل، مؤكدًا أهمية مواصلة البحث في المداخل العلاجية التي تجمع بين البعد الإنساني والصرامة العلمية، وتضع خبرة الإنسان المتألم في مركز العملية العلاجية.

يذكر أن اللقاء جزء من محاضرات وورش متتالية تنظمها الجهة المنظمة بإدارة د سعيد الكحلوت، وهي. جهود توصف بالحبارة في ظلم ما تعانيه غزة حاليا.