خاص مجلة إشكاليات فكرية
حين يخرج الأدب من الكتاب إلى الإنسان
«العلاج بالأدب: النظرية والمنهج والتطبيق» يفتح أفقًا جديدًا بين الأدب وعلم النفس
كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الجامعة اللبنانية
في لحظة تتسع فيها دائرة الضغوط النفسية والصدمات والقلق والفراغ الوجودي، وتتداخل فيها الحياة الإنسانية مع التكنولوجيا والسرعة والعزلة الرقمية، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في وظيفة الأدب، لا بوصفه فنًا جماليًا وثقافيًا فحسب، بل بوصفه إمكانية إنسانية قادرة على ملامسة الألم، وفتح نوافذ للتعبير، وإعادة بناء المعنى.
من هذا الأفق جاءت الندوة الفكرية التي نظمتها منسقية ماستر اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية حول كتاب «العلاج بالأدب: النظرية والمنهج والتطبيق» للأستاذ الدكتور أنور عبد الحميد الموسى، برعاية عميدة الكلية الأستاذة الدكتورة سهى الصمد، وبإدارة وحوار منسقة الماستر في الكلية الأستاذة الدكتورة مهى جرجور، وبمشاركة وتقييم رئيس وحدة الدراسات النفسية في المعهد العالمي للتجديد العربي الأستاذ الدكتور مروان دويري، إلى جانب عدد من أساتذة الكلية وطلابها، ومعالجين نفسيين وأدباء ومهتمين.
ولم تكن الندوة مجرد مناسبة للاحتفاء بكتاب جديد، بل تحولت إلى مساحة فكرية لمناقشة سؤال يتجاوز حدود الكتاب نفسه: ماذا يستطيع الأدب أن يفعل للإنسان حين يصبح الألم النفسي جزءًا من تجربته اليومية؟
من جماليات الأدب إلى وظيفته الإنسانية
ينطلق مشروع أنور الموسى من إعادة النظر في العلاقة القديمة بين الأدب والنفس. فالأدب لطالما كان مرآة للإنسان، وسجّل الخوف والحزن والفقد والحب والاغتراب والصراع والرجاء، لكنه ظل في كثير من الأحيان محصورًا داخل الدرس الأدبي والنقدي والجمالي.
أما المشروع الذي يطرحه الكتاب فيحاول أن يخرج بالنص من داخل الكتاب إلى خارج الكتاب، ومن فضاء التلقي الجمالي وحده إلى فضاء خدمة الإنسان.
ولا يعني ذلك اختزال الأدب في وظيفة علاجية، أو تحويل القصيدة والرواية والقصة إلى وصفات طبية، وإنما يعني اكتشاف إمكانات إضافية للنص حين يوضع في سياق مدروس، وتُراعى فيه حاجات الإنسان النفسية وظروفه وقدرته على التفاعل.
ومن هنا يميّز الموسى بين القراءة التي يكون هدفها المعرفة أو المتعة أو التربية، وبين القراءة التي تدخل ضمن مسار علاجي أو داعم، حيث يصبح النص جزءًا من عملية منظمة تقوم على القراءة والتفاعل والحوار والتعبير وإعادة بناء المعنى.
«النص حبة دواء»… ولكن ليس كل نص لكل إنسان
ومن أبرز المفاهيم التي تبلورت في الندوة مفهوم «النص حبة دواء»، وهي استعارة مركزية في مشروع الموسى.
فكما لا تُعطى الأدوية عشوائيًا، لا ينبغي أن تُعطى النصوص عشوائيًا في السياق العلاجي. وليس النص الجيد أدبيًا بالضرورة هو النص المناسب علاجيًا.
فالسؤال ليس فقط: هل النص جميل؟
بل أيضًا: لمن؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وبأي جرعة أدبية؟
قد يكون نص شديد الحزن ملائمًا لشخص في مرحلة من مراحل معالجة الفقد، لكنه قد يكون غير مناسب لشخص يعيش صدمة حادة أو يعاني أعراضًا شديدة. وقد تكون قصة قصيرة أو قصيدة مكثفة أكثر ملاءمة من رواية طويلة لشخص يعاني تشتتًا أو إنهاكًا نفسيًا.
وهنا يبرز أحد المبادئ الأساسية في المشروع: لا نختار النص لأنه يشبه جرح الإنسان بالضرورة، بل لأنه يساعده على التعامل مع جرحه.
العلاج التفاعلي بالأدب: النص لا يعمل وحده
لا يطرح الموسى الأدب باعتباره «دواءً» يعمل بصورة آلية، بل يضع النص داخل علاقة ثلاثية قوامها الإنسان والنص والمعالج.
وهذه العلاقة هي التي تمنح المشروع صفته التفاعلية.
فالمستفيد لا يقرأ النص ثم ينصرف، والمعالج لا يفسّر النص نيابة عنه، بل يدخل الطرفان في تفاعل مع النص عبر القراءة والحوار والتأمل والتعبير والكتابة.
وقد تكون القراءة صامتة، أو جهرية، أو مشتركة بين المعالج والمستفيد، أو يقرأ المعالج النص وحده حين يكون من الصعب على المستفيد أن يقرأ بسبب القلق أو الإنهاك أو ضعف التركيز. وقد يعاد النص أكثر من مرة، أو يُختار منه مقطع محدد بدل قراءته كاملًا.
وبعد القراءة يأتي الحوار لا بوصفه استجوابًا، وإنما بوصفه جسرًا نحو التعبير.
قد يُسأل المستفيد: ما الشخصية التي لامستك؟ ما الشعور الذي أثاره النص؟ ما الذي لم تستطع الشخصية قوله؟ ماذا كنت ستقول لها لو كنت مكانها؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لو تغيرت نهاية الحكاية؟
ثم ينتقل التفاعل من الكلام إلى الكتابة أو أي شكل آخر من أشكال التعبير.
وهنا تصبح العملية:
قراءة → تفاعل → حوار → تعبير → إعادة بناء للمعنى.
حين تعجز اللغة المباشرة عن الكلام
من النقاط اللافتة في المشروع أن الأدب قد يوفر للإنسان لغة غير مباشرة لقول ما يصعب عليه قوله مباشرة.
فالشخص الذي لا يستطيع أن يقول «أنا خائف» قد يستطيع أن يتحدث عن شخصية خائفة في قصة.
والذي لا يستطيع أن يصف فقده قد يكتب رسالة إلى شخصية فقدت عزيزًا.
والذي يشعر بأنه محاصر قد يكتب نهاية مختلفة لحكاية كان بطلها عاجزًا عن الخروج.
وهنا تعمل المسافة الأدبية بوصفها مساحة أمان؛ فالإنسان يستطيع أن يبدأ بالحديث عن «هو»، ثم ينتقل تدريجيًا إلى «أنا».
وهذا مهم بصورة خاصة في التعامل مع الصدمات النفسية واضطراب ما بعد الصدمة، حيث لا يكون الاقتراب المباشر من التجربة مناسبًا في كل لحظة.
فالقاعدة ليست أن نقتحم الصدمة، بل أن نقترب منها بقدر ما يستطيع الإنسان أن يحتمل، لا بقدر ما نستطيع نحن أن نسأل.
الأدب والصدمات: من استعادة الحدث إلى استعادة السيطرة
في حالات الصدمة، لا يهدف العلاج بالأدب إلى محو الذاكرة الصادمة، ولا إلى دفع الشخص إلى استعادة تفاصيلها قسرًا.
إنما يمكن أن يساعد، ضمن الحدود المناسبة، في استعادة الإحساس بالقدرة على التعبير، وتنظيم الانفعال، وبناء مسافة نفسية، واستعادة المعنى والأمل.
وهنا يمكن أن يكون النص عن الصدمة نفسها، لكن ليس بالضرورة. فقد يبدأ العمل بنص عن الأمان، أو الفقد، أو التغير، أو النجاة، أو العلاقة الإنسانية، ثم ينتقل تدريجيًا وفق قدرة المستفيد.
وهذه نقطة أساسية في المشروع: النص العلاجي ليس مرآة للمرض فقط، بل يمكن أن يكون نافذة على إمكانية أخرى للحياة.
الأدب ليس بديلًا من المعالج
أكد الموسى في سياق عرضه أهمية عدم الوقوع في المبالغة. فالعلاج بالأدب لا يعني أن الكتاب يمكن أن يحل محل الطبيب أو المعالج النفسي.
وفي الحالات الشديدة، لا سيما الاكتئاب الشديد، والاضطرابات الحادة، وبعض حالات الصدمة واضطراب ما بعد الصدمة، تصبح الإحالة إلى الاختصاصي ضرورة مهنية وأخلاقية.
وهنا تظهر أهمية الحدود بين استخدام الأدب في الوقاية والدعم النفسي والتربية وبين استخدامه ضمن ممارسة علاجية متخصصة.
فالأديب ليس طبيبًا لمجرد أنه يعرف النصوص، والمعالج النفسي ليس بالضرورة متخصصًا في الأدب لمجرد أنه يعرف النفس.
ومن ثم فإن العلاج بالأدب، في صورته الأكثر نضجًا، يحتاج إلى تعاون بين الأدب وعلم النفس والممارسة العلاجية.
هل يعالج الكاتب نفسه بالكتابة؟
كان من الأسئلة المهمة التي فتحتها الندوة البحث في إمكان أن يكون التعبير الأدبي نفسه وسيلة مساندة للكاتب أو الإنسان العادي.
فالكتابة قد تساعد الإنسان على تنظيم تجربته، وتسمية مشاعره، وإعادة سرد ما حدث له، واكتشاف علاقته بذاته وبالآخرين.
لكن هناك فرقًا بين الكتابة العلاجية أو التعبيرية وبين العلاج النفسي المتخصص.
قد يكتب الإنسان فيرتاح، وقد يكتشف في الكتابة معنى جديدًا، وقد يعيد ترتيب تجربته من خلال السرد، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنه «عالج نفسه» من اضطراب نفسي.
أما في النموذج التفاعلي، فإن الكتابة تأتي بوصفها جزءًا من عملية أوسع؛ يقرأ المستفيد، ويتفاعل، ويتحدث، ثم يكتب أو يعبّر، ويُتابع أثر ذلك ضمن إطار آمن ومدروس.
الفنون المساعدة: حين لا تكفي الكلمات
توسعت المناقشة كذلك إلى إمكان الإفادة من الفنون المساعدة، كالرسم والصورة والخيال والموسيقى والتعبير المسرحي، إلى جانب الكتابة.
وهنا أشار الدكتور مروان دويري إلى أهمية الصورة والخيال في العمل العلاجي، وقدم مثالًا من السندريلا، مبينًا كيف يمكن للقصة والشخصية والرمز أن تفتح مساحات للتأويل والتفاعل، بدل التعامل مع الحكاية بوصفها مجرد قصة تُروى.
وتكشف هذه الإضافة عن اتساع المشروع من النص المكتوب وحده إلى منظومة التعبير الإنساني، مع بقاء النص الأدبي محورًا أساسيًا.
فالخيال ليس هروبًا بالضرورة؛ قد يكون في بعض السياقات طريقًا آمنًا لإعادة تشكيل التجربة.
السندريلا ليست مجرد حكاية أطفال
أبرز مثال الدكتور دويري إمكان قراءة حكاية السندريلا من زاوية نفسية: الشخصية المحرومة، الإقصاء، الانتظار، التحول، الأمل، والانتقال من موقع العجز إلى موقع مختلف.
لكن القيمة العلاجية لا تكمن في أن نقول للمتلقي: «أنت مثل السندريلا»، بل في أن نسأله: ما الذي رأيته في الحكاية؟ أي شخصية أثارتك؟ أين شعرت بالظلم؟ ما الذي كان يمكن أن يتغير؟ ولو كنت أنت صاحب القرار، كيف كنت ستكتب النهاية؟
هنا تتحول الحكاية إلى مساحة لإنتاج المعنى.
شهادة من داخل المجال النفسي والأدبي
تميزت الندوة بتنوع المشاركين والأسئلة، ولم تبق المناقشة محصورة في الإطار النظري، بل تخللتها تجارب وشهادات من معالجين نفسيين وأدباء، الأمر الذي منح المشروع بعدًا تطبيقيًا وإنسانيًا.
كما أتاح حضور الطلاب مساحة مهمة لاختبار مدى قابلية الفكرة للانتقال من مجال البحث إلى مجال الممارسة والتدريب.
وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة مهى جرجور إلى إمكان إدراج هذا المحور ضمن الخيارات المهنية المتاحة لطلاب اللغة العربية وآدابها، بما يفتح أمام دراسة اللغة والأدب مسارات بينية جديدة تتصل بالمجالات النفسية والإنسانية.
وهو اقتراح يحمل دلالة تتجاوز البرنامج الأكاديمي نفسه؛ إذ يطرح سؤالًا حول مستقبل خريج اللغة العربية: هل يبقى الأدب حبيس التعليم والنقد، أم يمكن أن يفتح له مسارات مهنية جديدة تخدم الإنسان والمجتمع؟
من الوقاية إلى المدرسة
لا يحصر المشروع العلاج بالأدب في عيادة المعالج.
فالأدب يمكن أن يجد مجالًا واسعًا في الوقاية، والتربية، والمدرسة، والعمل مع الأطفال والمراهقين، ودعم المرونة النفسية، والتعامل مع الضغوط والصدمات، ومساندة الأشخاص في مواجهة بعض المشكلات النفسية، وفق ضوابط كل مجال.
وفي المدرسة مثلًا، قد لا يكون الهدف «علاج اضطراب» لدى الطفل، وإنما بناء القدرة على التعبير عن المشاعر، وفهم الآخر، وتنمية المرونة، وإتاحة مساحة آمنة للكلام والخيال.
ومن هنا يصبح الأدب شريكًا في الصحة النفسية الوقائية، لا مجرد أداة تستخدم بعد ظهور المشكلة.
الأدب والجسد: النفس ليست منفصلة عن الجسد
يفتح المشروع كذلك مجالًا للنظر إلى الإنسان بوصفه وحدة متكاملة، حيث تتفاعل الحالة النفسية مع الجسد والاستثارة والانفعال والضغط والوظائف الفسيولوجية.
ولا يعني ذلك أن الأدب يعالج الاضطرابات الهرمونية أو الأمراض الجسدية مباشرة، وإنما أن العمل على تنظيم الانفعال والضغط النفسي يمكن أن يكون جزءًا من فهم العلاقة بين النفس والجسد، وهو مجال يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة بعيدًا عن الادعاءات العلاجية المبالغ فيها.
وهنا تتضح ضرورة انتقال العلاج بالأدب من الانطباعية إلى البحث العلمي الذي يدرس آثاره وحدوده وآليات عمله.
هل نحن أمام مدرسة عربية جديدة؟
ربما كان السؤال الأعمق الذي خرجت به الندوة هو: هل نحن أمام مجرد تطوير لفكرة العلاج بالأدب المعروفة عالميًا، أم أمام محاولة لبناء صياغة عربية جديدة؟
يميل مشروع الموسى إلى الخيار الثاني، مع الإفادة من المعرفة العالمية وعدم الانفصال عنها.
فالمطلوب ليس استيراد نموذج غربي جاهز، وإنما بناء معرفة عربية تستفيد من المنجز العالمي، وتعيد اختبارها في اللغة العربية وثقافتها وخصوصية الإنسان العربي وذاكرته الجماعية وتراثه الأدبي.
ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الذي يجمع بين النظرية والمنهج والتطبيق، إذ إن التحدي الحقيقي لأي مشروع من هذا النوع ليس في إطلاق المصطلح، وإنما في بناء المفاهيم، وتحديد الإجراءات، واختيار النصوص، وضبط الممارسة، وتحديد الحدود المهنية، ثم إخضاع النتائج للبحث والتقويم.
التكنولوجيا: هل تساعد الأدب أم تهدده؟
في زمن الكتاب الإلكتروني والكتاب المسموع والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، يصبح سؤال التكنولوجيا حاضرًا بقوة.
فهي تستطيع أن توسع الوصول إلى النصوص، وتوفر القراءة والاستماع، وتساعد في بناء قواعد نصية وأدوات بحثية، وتفتح إمكانات جديدة للتفاعل.
لكنها في الوقت نفسه قد تزيد العزلة والتشتت والإفراط في الاستهلاك الرقمي والفراغ النفسي.
ومن هنا لا يطرح الموسى التكنولوجيا بوصفها عدوًا للأدب، بل بوصفها أداة ينبغي أن تبقى في خدمة الإنسان.
فالخوارزمية قد تساعد في الوصول إلى النص، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقة الإنسانية التي تمنح الجلسة العلاجية معناها.
نحو مستقبل أكثر تقنينًا
بدت الندوة، في ضوء النقاشات التي أثارتها، خطوة في اتجاه تحويل العلاج بالأدب من فكرة إنسانية جذابة إلى مجال يحتاج إلى البحث العلمي والتدريب والتقويم والأطر المهنية والأخلاقية.
وهذا يتطلب دراسات تجريبية ونوعية، وأدوات قياس، ومعايير لاختيار النصوص، وبرامج تدريب للممارسين، وتحديدًا واضحًا لمتى يمكن استخدام الأدب في الوقاية والدعم، ومتى تصبح الإحالة إلى المعالج أو الطبيب ضرورة.
فالمستقبل لا ينبغي أن يكون مستقبل «الوصفة الأدبية»، وإنما مستقبل الممارسة الأدبية النفسية المسؤولة.
الأدب حين يخرج إلى الخارج
لعل أكثر ما يميز المشروع الذي حمله كتاب الموسى هو أنه لا يريد للأدب أن يبقى داخل حدوده التقليدية.
فالأدب هنا يخرج إلى المدرسة، والعيادة، ومراكز الدعم، ومجال الوقاية، ومواجهة الصدمات، وخدمة الإنسان في لحظات ضعفه.
لكن هذا الخروج لا يعني التخلي عن جماليات الأدب، بل اكتشاف وظائف إنسانية جديدة لها.
وفي نهاية المطاف، لا يقول المشروع إن الأدب يستطيع أن يعالج كل شيء، ولا إن النص يمكن أن يحل محل الطبيب أو المعالج؛ بل يطرح سؤالًا أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا:
ماذا يمكن أن يفعل الأدب حين نضعه في خدمة الإنسان، من دون أن نفقد أدبيته أو نتجاوز حدود العلم؟
وربما هنا تحديدًا تكمن قيمة «العلاج التفاعلي بالأدب»: في محاولة بناء جسر بين عالمين طالما التقيا في النص، لكنهما لم يستثمرا دائمًا هذا اللقاء بصورة منهجية؛ عالم الأدب وعالم النفس.
إنه مشروع ينطلق من قناعة بسيطة وعميقة:
حين تعجز اللغة المباشرة عن احتواء الألم، قد يمنح الأدب الإنسان لغةً أخرى ومسافةً أكثر أمانًا للاقتراب من ذاته.
وفي عبارة تختصر روح المشروع:
«النص حبة دواء»؛ لا لأنه دواء بالمعنى الطبي الحرفي، بل لأنه قد يصبح ذا أثر علاجي حين نعرف لمن نقدمه، ولماذا، ومتى، وكيف، وبأي جرعة أدبية.
وهكذا لم تكن الندوة احتفاءً بكتاب فحسب، بل كانت مناسبة لطرح سؤال يتصل بمستقبل الأدب نفسه: هل يمكن أن يستعيد النص بعض أدواره الإنسانية في عالم يزداد فيه الإنسان حاجةً إلى المعنى، والأمان، والتعبير، والاتصال بذاته وبالآخر؟
وقد يكون الجواب الذي يقترحه هذا المشروع هو أن الأدب، حين يتحول من مادة للقراءة إلى علاقة تفاعلية بين الإنسان والنص والمعالج، يستطيع أن يفتح بابًا جديدًا: بابًا لا يلغي العلاج النفسي، ولا ينافس الطب، وإنما يضيف إلى رعاية الإنسان ما يملكه الأدب منذ آلاف السنين: الكلمة، والخيال، والحكاية، والصورة، والقدرة على منح الألم معنى….