بقلم أ.د. أنور عبد الحميد الموسى

في ليالي الحرب، يجلس رجلٌ على درج منزل مستأجر في مدينة بعيدة عن قريته.  يحمل هاتفه بيد، وصورة بيته باليد الأخرى. لا يبحث عن خبر نصر، ولا عن تحليل عسكري، ولا عن تصريح سياسي، بل يبحث عن شيء أبسط بكثير: هل ما زال البيت قائمًا؟!
يفتح الصورة مرارًا. يكبّرها. يصغّرها. يحدّق في زاوية السطح. يتساءل إن كانت تلك البقعة الداكنة ظلًا أو أثر قذيفة. تمر ساعات وهو يفاوض صورة لا تجيب.
في تلك اللحظات يدرك أن الحرب لا تسكن الجبهات فقط، بل تسكن العقول أيضًا.
إن أكثر ما يرهق الإنسان في الحروب ليس الخطر وحده، بل الانتظار. فالخطر قد يكون لحظة عابرة، أما الانتظار فقد يمتد شهورًا. انتظار خبر، أو عودة، أو اتصال، أو هدنة، أو يقين. ولهذا يمكن وصف كثير من معاناة الناس اليوم بأنها ليست صدمة الحرب فقط، بل “إرهاق الانتظار”.
لقد اعتاد علم النفس أن يدرس الخوف بوصفه استجابة لتهديد واضح. أما في الحروب الحديثة، فإن الإنسان يعيش نوعًا آخر من المعاناة؛ إنه يعيش تحت سلطة المجهول. فهو لا يعرف متى تنتهي الأزمة، ولا ماذا سيجد عندما يعود، ولا أي مستقبل ينتظره. وهذا النوع من الغموض يستنزف الطاقة النفسية أكثر مما يفعل الخطر المباشر أحيانًا.
ومن هنا يقع كثيرون في خطأ شائع. يظنون أن عليهم متابعة الأخبار طوال الوقت حتى يطمئنوا. لكن ما يحدث غالبًا هو العكس. فالإفراط في مراقبة الأخبار يجعل العقل في حالة استنفار دائم، كأن الحرب تحدث داخل الغرفة لا خارجها.
إن الإنسان لا يستطيع أن يوقف الحرب بمفرده، لكنه يستطيع أن يمنعها من احتلال داخله بالكامل..
لقد أثبتت تجارب الشعوب التي عاشت الحروب والكوارث أن النجاة النفسية لا تعتمد فقط على انتهاء الأزمة، بل على قدرة الفرد على الاحتفاظ بمعنى لحياته أثناء الأزمة. فالذين كانوا يملكون هدفًا يوميًا، أو رسالة، أو عملاً، أو مشروعًا صغيرًا، كانوا أكثر قدرة على الصمود من الذين جعلوا الحرب محور وجودهم الوحيد.
الأمل هنا ليس إنكارًا للواقع، بل هو موقف عقلي وأخلاقي. فالمتفائل الواقعي لا يقول إن الأمور بخير، بل يقول إن الأمور صعبة، ومع ذلك سأواصل العيش والعمل والتخطيط.
ولعل أخطر ما تفعله الحروب أنها تدفع الإنسان إلى تأجيل الحياة. فيقول: سأعيش عندما تنتهي الحرب، وسأفرح عندما أعود، وسأخطط عندما تهدأ الأوضاع. لكن السنوات تمضي أحيانًا قبل أن يكتشف أن جزءًا من عمره ضاع في غرفة الانتظار.
إن مقاومة الحرب نفسيًا تبدأ عندما يقرر الإنسان أن يعيش ما يستطيع من حياته رغم الحرب، لا بعدها فقط.
توصيات نفسية للصمود في زمن الحرب
-تخصيص أوقات محددة لمتابعة الأخبار بدل متابعتها طوال اليوم.
المحافظة على روتين يومي ولو كان بسيطًا.
-ممارسة المشي أو أي نشاط بدني منتظم قدر الإمكان.
-الإكثار من اللقاءات العائلية والاجتماعية الداعمة.
تجنب تداول الشائعات والأخبار غير الموثقة.
وضع أهداف أسبوعية صغيرة قابلة للتحقيق.
تشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وعدم إخفاء مخاوفهم.
الاحتفاظ بخطة للمستقبل مهما بدا الطريق إليها بعيدًا.تذكّر أن القلق لا يغيّر الأحداث، لكنه قد يستهلك القدرة على مواجهتها.
الإيمان بأن الحروب، مهما طالت، تبقى مرحلة من التاريخ، بينما تبقى حياة الإنسان أوسع من أي حرب.
إن الذين يصمدون في الحروب ليسوا بالضرورة الأقوى جسدًا، بل أولئك الذين ينجحون في حماية جذوة المعنى داخلهم. فحين يحافظ الإنسان على أمله وعلاقاته وأهدافه الصغيرة، يكون قد انتصر على أخطر ما في الحرب: أن تتحول من حدث خارجي إلى قدر نفسي دائم.