محمد خليل توبي – مجلة إشكاليات فكرية https://www.ishkalyatfikria.com مجلة ثقافية معرفية Sat, 24 Jan 2026 15:13:41 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 الذكاء الاصطناعي… قوة العصر الجديدة بين تسارع التطور وضرورة المواكبة https://www.ishkalyatfikria.com/archives/13060 Sat, 24 Jan 2026 15:13:41 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=13060 الذكاء الاصطناعي… قوة العصر الجديدة بين تسارع التطور وضرورة المواكبة
تحقيق صحفي
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مصطلح تقني متداول في الأوساط الأكاديمية، بل أصبح واقعًا ملموسًا يعيد تشكيل حياة البشر اليومية، ويفرض نفسه كأحد أهم محركات التقدم في القرن الحادي والعشرين. فمن الهواتف الذكية إلى المستشفيات، ومن الفصول الدراسية إلى المصانع، بات الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة، حاملاً معه فرصًا هائلة وتحديات لا تقل أهمية.
تطور متسارع يغيّر ملامح الحياة
يشهد الذكاء الاصطناعي تطورًا غير مسبوق بفضل التقدم في قدرات الحوسبة وتوفر البيانات الضخمة، ما مكّن الأنظمة الذكية من التعلم والتحليل واتخاذ القرار بدرجة عالية من الدقة. وتشير تقارير حديثة إلى أن اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي يسهم في تحسين الكفاءة والإنتاجية في مختلف القطاعات، ويختصر الوقت والجهد في أداء المهام المعقدة
الصحة والتعليم في قلب التحول
في القطاع الصحي، بات الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للأطباء في تشخيص الأمراض مبكرًا، وتحليل الصور الطبية، والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى. أما في التعليم، فقد ساهمت الأنظمة الذكية في تطوير أساليب تعلم مرنة تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين، وتوفر محتوى تعليميًا مخصصًا لكل طالب
الاقتصاد وسوق العمل: فرص وتحديات
اقتصاديًا، يمثل الذكاء الاصطناعي عنصرًا رئيسيًا في تعزيز تنافسية الشركات والدول. فالتقنيات الذكية تساعد في تحليل الأسواق، وتوقع الاتجاهات، واتخاذ قرارات مبنية على البيانات. وفي المقابل، يثير هذا التطور مخاوف متزايدة بشأن مستقبل بعض الوظائف التقليدية، في ظل توسع الأتمتة واعتماد الآلات الذكية، ما يستدعي إعادة تأهيل القوى العاملة وتطوير المهارات الرقمية
تحديات أخلاقية ومسؤولية مشتركة
ورغم الفوائد الكبيرة، يطرح الذكاء الاصطناعي إشكاليات أخلاقية تتعلق بحماية الخصوصية، وأمن البيانات، والتحيز الخوارزمي، إضافة إلى مسؤولية القرارات التي تتخذها الأنظمة الذكية. وتؤكد منظمات دولية ضرورة وضع أطر قانونية وأخلاقية تضمن استخدام هذه التكنولوجيا بما يخدم الإنسان ويحفظ حقوقه
مواكبة العصر خيار لا بديل عنه
يرى خبراء أن مواكبة عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية للدول والمؤسسات والأفراد على حد سواء. فالاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، وبناء التشريعات المناسبة، يشكل الركيزة الأساسية للاستفادة من هذه الثورة التقنية وتوجيهها نحو التنمية المستدامة.
خاتمة
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، يبرز الذكاء الاصطناعي كقوة مؤثرة في صياغة المستقبل. وبينما يحمل في طياته فرصًا واعدة لتحسين حياة البشر، يبقى نجاحه مرهونًا بمدى وعي الإنسان في استخدامه، وقدرته على الموازنة بين التطور التقني والقيم الإنسانية.

]]>
ألسنةٌ كالسُّيوف.. ووجوهٌ بأقنعة https://www.ishkalyatfikria.com/archives/12919 Sat, 31 May 2025 08:44:49 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=12919 بقلم: الأستاذة فالنتينا إبراهيم

في عالمٍ يتكلَّمُ كثيرًا ويُنصِتُ قليلًا، أصبحت الكلمةُ سلاحًا حادًّا، يَجرَحُ الأرواحَ ويُهدِمُ العلاقات، حتى قبل أن يُدرك المتحدِّث ما اقترفَ لسانُه. الثرثرة، النميمة، والازدواجية في الوجوه، ليست مجرّد صفاتٍ سيّئة، بل هي آفاتٌ اجتماعية تُهدّد كيان المجتمع من الداخل.

 

الثرثارُ لا يبحثُ عن معنى، بل عن صوتٍ يسمعه، حتى لو كان خاليًا من الحكمة. تراه يملأ الفراغ بالكلام، ويُشارك تفاصيل لا تعنيه، ويقذف الآراء جزافًا بلا مسؤولية. والمصيبة تكبر حين تتحوّل ثرثرته إلى مادةٍ للنميمة.

 

النميمةُ خيانةٌ غير معلَنة، تُرتَكَب باسم الفضول أو المزاح أو “نقل الكلام”. لكنها في حقيقتِها نارٌ خفيّة، تُحرِقُ الثقة، وتُفرِّقُ القلوب، وتُشيعُ الفساد بين الناس. وهي سلوكٌ مرفوضٌ في كل الشرائع، إذ يقول الكتاب المقدّس:

“لا تسعَ في الوِشاية بين شعبك، ولا تقفْ على دمِ قريبك” (سفر اللاويين 19:16).

فالواشي يقفُ على حدودِ الجريمة، ولو بكلمة.

 

أما ذو الوجهَين، فضررُه مضاعَف. يُتقنُ التمثيلَ، يتزيَّنُ بوجهٍ أمامك، ويُخفي وجهًا آخر خلفك. تراه يُجاملك علنًا، ويطعنك سرًّا، ينقلُ الكلام ويُحرِّفُه، حتى يرضي جميعَ الأطراف، دون أن يكون صادقًا مع أيٍّ منهم. وقد جاء في سفر يشوع بن سيراخ:

“اللسانُ المزدوج يُهلكُ النفس” (يشوع بن سيراخ 28:18).

 

الوجوهُ المتعدّدة لا تدوم، وإن خدعت البعض مؤقّتًا، فإنّها تُكشَف عاجلًا أو آجلًا. والصادقُ، ولو أخطأ، يبقى أكرمَ من مَن يتقلّب كالحرباء.

 

في زمنٍ ضاعت فيه الحدود بين الصراحة والوقاحة، وبين المزاح والغيبة، لا بدّ أن نسترجع هيبةَ الكلمة، وأن نربّي ضمائرنا على الصمتِ الحكيم، لا على النفاقِ المزيَّن. فالألسنةُ قد تَقتل، والقلوبَ قد لا تُشفى من جرح الكلمة.

 

فهل نختار أن نكون نزهاء اللسان، صادقين في الوجوه، أمناء في الغياب؟

أم سنبقى نُطعِم مجالسَنا بالسمّ المُغلَّف، ونحملُ ألسنةً كالسيوف، ووجوهًا بأقنعة؟!

]]>
شَفَتَانِ تَتَكَلَّمَانِ… وَلُغَةٌ تَجْمَعُنَا https://www.ishkalyatfikria.com/archives/12914 Sat, 31 May 2025 08:09:20 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=12914 شَفَتَانِ تَتَكَلَّمَانِ… وَلُغَةٌ تَجْمَعُنَا

بقلم: الأستاذة فالنتينا ابراهيم

فِي رُكْنٍ هادِئٍ مِن زَاوِيَةِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، جَلَسْتُ أُصْغِي إِلَى أَصْوَاتٍ تَتَدَفَّقُ حَوْلِي كَجَدْوَلٍ صَغِيرٍ يَمْرُّ بَيْنَ زُهُورِ الرَّبِيعِ. سَمِعْتُ أَحَادِيثَ بِلَهْجَةٍ لُبْنَانِيَّةٍ تَحْمِلُ خِفَّةَ النَّسِيمِ، وَأُخْرَى سُورِيَّةٍ تَحْمِلُ وَقَارَ التُّرَاثِ.

 

اللَّهْجَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ تُشْبِهُ أَنْغَامَ الْعُودِ فِي لَيْلَةٍ صَيْفِيَّةٍ، نَغْمَاتُهَا سَرِيعَةٌ، نَبِيْلَةٌ، وَفِيهَا مِزَاحٌ رَقِيقٌ يُدَاعِبُ الْآذَانَ. أَمَّا اللَّهْجَةُ السُّورِيَّةُ، فَفِيهَا ثِقَلُ التَّارِيخِ، وَعُمقُ الْمَعْنَى، وَصَوْتُ الْحَكِيْمِ الَّذِي يَرْوِي قِصَصَ الْقُدَمَاءِ.

 

مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَخْتَلِفُ فِي النَّغْمَةِ وَالتَّعَابِيرِ، إِلَّا أَنَّهُمَا تَلْتَقِيَانِ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَأَصْلٍ لُغَوِيٍّ وَاحِدٍ. تَقُولُ اللُّبْنَانِيَّةُ: “كِيفَك؟”، وَتُجِيبُ السُّورِيَّةُ: “شْلُونَك؟”، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ: سُؤَالٌ دَافِئٌ عَنْ الْحَالِ.

 

فِي هَذَا التَّنَوُّعِ بَيْنَ اللَّهْجَتَيْنِ، جَمَالٌ يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ. هُوَ لَيْسَ اخْتِلَافًا يُفَرِّقُنَا، بَلْ هُوَ غِنًى يُعَبِّرُ عَنْ هُوِيَّتِنَا الْمُشْتَرَكَةِ، وَيُظْهِرُ مَا فِي شُعُوبِنَا مِنْ حَيَاةٍ وَحُبٍّ وَتُرَاثٍ.

 

اللَّهْجَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلَامٍ، بَلْ هِيَ مِرْآةُ الرُّوحِ، وَصَوْتُ الأَرْضِ، وَنَبْضُ الْأَهْلِ. وَمَا بَيْنَ لُبْنَانَ وَسُورِيَا، تَبْقَى الْكَلِمَاتُ جُسُورَ قُرْبَى، لَا حُدُودَ فَاصِلَةً.

]]>
رماديّة الحرب. / بقلم الأستاذة لمى التقي https://www.ishkalyatfikria.com/archives/12112 Mon, 22 Jul 2024 11:05:32 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=12112

بقلم الأستاذة لمى التقي

رماديّة الحرب.

أخافُ أن يحمى الوطيسُ وأبقى بلا وطنٍ ،
أن أستيقظَ يوماً وأغسل وجهي بالدماء، وأن تتلبدَ سماؤنا بالغيومِ السوداء أبداً فتغدو عاجزةً على أن تمطرَ حرية،
أخاف أن أركضَ على جثثٍ ألبست الأرضَ أجسادَها المشوّهة فلا أميّزُ منها من احتضنتهم روحي،
أخافُ الليلَ الطويلَ القاصفَ العشوائيَّ ، فأمكثُ مُخبِّئةً رأسي تحتَ سريرِ الخلاص.. أحضنُ ذاتي بين يدي الراجفة،
أخافُ أن أدرك أخيراً أنَّ حياتنا هي دقائقُ من حربٍ نفسيّةٍ وثوانٍ من قصفٍ يحدّدُ نهايةَ أيامِنا المتعبة وأنَّ أرواحنا بخيسةُ الثمنِ و الأحلامَ تُدفنُ في داخلنا..
أخافُ أن تُهزمَ الكرامةُ في أرضِ الكرامة ونبقى مشرّدينَ في أرض الغربةِ اللعينةِ فتغدو ناراً بلا لهيبٍ تُدفِئُ موضعَ السرِّ فينا وتعطينا فرصةً بحياةٍ جديدة ويصبحُ لقبُنا أخيراً “النازحينَ اللبنانين” ،
أخافُ أن أهربَ من وطني فأحملُ جسدي المُنهكَ وأنسى روحي بين زوايا الطفولةِ المُدمَّرة ،أغدو جسداً بلا روحٍ فلا أجدُ حائطاً أكتبُ عليه كلمةَ وداعي الأخيرة ولا أرضاً أضعُ قُبلَتي على جبينِها.. أبكي التاريخَ تارةً والأحبابَ تارةً أخرى ولكنْ في جميعِ الأحوال أبكي الوطنَ…فالحربُ تسرقُ منّا كلَّ شيءٍ، تسرقُ السلامَ و الحريّةَ، المنزلُ الذي علَّقنا على جدرانِهِ ذاكرتَنا يُهدَّمُ، الحدائقُ التي ركضنا فيها تفرغُّ وتحملُ فقط في صميمها صدى ضحكاتنا.. وحدَها المستشفياتُ والمقابرُ تصبحُ مليئةً حينها،
تسلبُ منّا ساعاتِ الصباحِ الأولى وانتظارَ شروقِ الشمسِ فنغدو لا نميزُ بين الليلِ والنهارِ ويسلبُ منّا مللَ نهايةِ الأسبوع، أن تصبحَ مدينتي مكتظةً بالجنودِ بدلاً من جنونِ أترابي الجميل، أن أتقاسمَ رغيفَ الخبز على مدى يومينِ مع نفسي دون المقدرةِ على أن أتقاسمها مع الذين رحلوا وأصبحوا رماداً متناثراً على أرض الهزيمة، أخاف أن يُقتلَ كلُّ من عرفت حتى هؤلاءِ الأشخاص الذين رسمتُهم في مخيّلتي وحدهمْ من يجلسونَ على عرشِ السياسة ينجونَ.. ينظرونَ إلينا من قصورهمُ المشيّدة بحديدٍ الفسادِ ،أخاف أن يُسرق صوتُ المذياعِ فلا ينقلُ لي أسماءَ من بقوا ومن أخذتهم الرحمةُ، ويسرق صوت فيروزَ فلا من يبعثُ نفحةَ ضوءٍ في خضمِّ الظلامِ،أخاف أن يتحولَ منزلي إلى بقايا منزل وحين أشتاقُ إلى عائلتي أرفعُ قلبي إلى السماء لمقابلتهم، أخشى الأمهاتِ التي ستعلنُ حدادَ الحزن أبداً رافضةً الخروجَ من أرضها فتتحولُ إلى حضنٍ يحضنُ الوطنَ المجروح الذي يحمل رائحةَ أولادِها في طيّاتهِ أخاف أن أفقد يدي فلا أستطيع أن أدونَ ذكرياتي التي ستبقى لي الملاذ الأخير في خضمِّ العاصفة الأبديّة،
وقبلَ كلِّ شيءٍ أخاف أن يحدث كل ذلك،
وأخسر وطني!
فيبقى العَلَمُ لوحة نرسمها على صفحاتِ الأملِ الأخير،
وأبقى بلا وطن…

لمى التقي

 

]]>
الشاعر نزار قباني | أعلام عربية https://www.ishkalyatfikria.com/archives/11937 Mon, 13 May 2024 20:05:17 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=11937 ولد نزار في دمشق القديمة في حيّ «مئذنة الشحم» في 21 مارس/آذار عام 1923 وشبّ وترعرع في بيتٍ دمشقيّ تقليديّ لأُسرَةٍ عربيَّة دمشقيَّة عريقة.

تخرج نزار عام 1945 من كليّة الحقوق بجامعة دمشق وإلتحق بوزارة الخارجية السوريّة، وفي العام نفسه عُيّن في السفارة السوريّة في مصر وله من العمر 22 عامًا. ولمّا كان العمل الدبلوماسي من شروطه التنقّل لا الاستقرار، لم تطل إقامة نزار في القاهرة، فانتقل منها إلى عواصم أخرى مختلفة، فقد عُيّن في عام 1952 سفيرًا لسوريا في المملكة المتحدة لمدة سنتين وأتقن خلالها اللغة الإنجليزية ثم عُيّن سفيرًا في أنقرة، ومن ثمّ في عام 1958 عيّن سفيرًا لسوريا في الصين لمدة عامين. وفي عام 1962 عيّن سفيرًا لسوريا في مدريد لمدة 4 سنوات. إلى أن استقرَّ في لبنان بعد أن أعلن تفرغه للشعر في عام 1966, حيث أسس دار نشر خاصة تحت اسم «منشورات نزار قباني». بدأ نزار قباني بشكل بارز بكتابة الشعر العمودي ثم انتقل بعدها إلى شعر التفعيلة، حيث ساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير.

في عام 1997 كان قباني يعاني من تردي في وضعه الصحي وبعد عدة أشهر توفي في 30 أبريل 1998 عن عمر ناهز 75 عامًا في لندن بسبب أزمة قلبية.

]]>
“زورق مخيّلتي” بقلم الأستاذة لمى التقي https://www.ishkalyatfikria.com/archives/11555 Fri, 22 Apr 2022 17:49:01 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=11555

 

“زورق مخيّلتي”

“أنا لستُ أنا، ولستُ الحقيقةَ إلاَّ حينَ أكونُ وهميةً، أعيشُ حياتي الخياليةَ داخلَ الكتبِ التي أطالعُها والحكايا التي أتوهَّمُ أنني أعيشها، كأنني أكتبُها داخلَ رأسي، وأبنيها حجراً حجراً  لأعيشَ داخلَها، إذْ لا بيتَ لي سواها، كأنني أعالجُ الخوفَ بالحُلم….”
لكم حياتكم الأرضيّة ولي حيواتي الخياليّة،
لكم سطور الوقت ولي أبجديّة شاسعة…
حفرة تهاويت داخلها.. كنتُ أركض هاربة من الخوف الذي كان يلتف حول طفولتي من كل جانب، هربتُ بعيداً  عن الضعفِ والكراهية، بعيداً عن الرَّثاثة والهشاشة وسقط المتاع، بعيداً عن الزّيف الذي يأخذُ زينتَهُ حتَّى لكأنَّهُ الحقيقة… كانت أجراس العنف تدقّ في أذنيّ فتجعل جسدي يرتجف راقصاً على نغمات اللكمة التي ستلتصق بجسدي الطريّ دون محالة. كان السّواد يلتفّ أحلامي الليليّة، وإثر الجبن الذي استوطن مدينتي الداخلية يتجسّد أمامي في عقارب الزمن الزاحفة بي من رماد إلى آخر…
كان البيت الذي سكن جسدي فيه سجن تحررت منه روحي بواسطة كتاب سقط بين يديّ وانتشلني نحو الحريّة، عندما خرجت فتاة الأعوام الأولى بحقيبة تتكدّس في داخلها متاهات العلم، حكم عليها أمام زملائها بأنّها محدودة الذكاء، فهربت بخيالها تتوسد كتابها خلف قضبان المقاعد، لينقلها بذلك إلى عوالم تسبح فيها فتتبلّل بظلال الأبجديّة..
لم تكن المدرسة من قامت بتعليمي الهجاء، لقد كانت القصص التي دسستها في جيب حقيبتي من فعلت ذلك! رفضتني المدرسة مرّات عدّة وكنت في حالة الشّرود الأبديّ أنتقل إلى حيث تحتم عليّ صوت حجريّ، يؤنّبني بقضيب خشبيّ يسجّل بذلك لكمة أخرى فوق يديّ  فيسقط الخيال الذي أمسكه، وأستيقظ على واقع جاهدت لكي أتغاضى عنه…
كانت الكتب زورق مخيّلتي. نُبحر معاً في بحيرة الحلم اللامحدود. نتعانق بين ضفتيّ الواقع والخيال.
الكتب رمّمت داخلي المهدَّم. أعطتني هويّتي الضّائعة بين أكوام غبار الأحداث.. شدّت على يديّ لتنقلني إلى حيث جلست بجسدي وحلّقت بروحي التّائهة نحو عوالم التقيت فيها بشخصيات أحببتهم، تعانقنا بواسطة الأبجديّة، ودخلت في دهاليز وهمهم لأبني من خلال الخيال الذي يعتري حياتهم واقعي…
الكتب انتشلتني من براثن الخوف والوحدة. حمت جسدي الطريّ من تورُّماته الأزليّة. شيّدت حصانا أدبيًّا لروحي، وأعطتني معيارًا جديدًا للتفوُّق..
في اليوم العالميّ للكتاب.. أقف حاضنة ملاذي الذي أحتمي به من هزليّة واقعنا، أغوص فيه لأنزع السواد الذي حطّ في داخلنا وشكّل غشاوة مزريّة على مستقبلنا.. بواسطة الأدب سننجو والكتاب مرساة لسفينة خلاصنا التي، إذا أبحرنا بها، ستوصلنا حتماً إلى برّ الخلاص.
في زمن آكلت غبارَ النسيان رفوفُ القراءة، وأصبح الكتاب منسيًّا في خضمّ احتلال التكنولوجيا ووسائل اللهو حياتَنا، يبقى لصداه صوتٌ يتلو بصفحاتِه تراتيل الحكايات..
والكتابُ في إشراقاته استعادةٌ لإنسانية الإنسان التي فينا والتي جبِلنا عليها، فهي في الأنباض منْ قلوبنا، وهي في الخفق منْ دمائنا..
لكم مدينتكم المليئة بالحدائق الوهميّة ولي وطن لشدة عمق معالمه.. أنبت فيه أشجاراً وأثمر..

]]>
“رغيفنا الورقيّ” بقلم الأستاذة لمى التقي. https://www.ishkalyatfikria.com/archives/11474 Sun, 16 Jan 2022 19:23:56 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=11474

“رغيفنا الورقيّ”
بقلم الأستاذة لمى التقي.

 

لطالما كانت الكتب للقرّاء قوتهم اليوميّ الذي يتغذون من أبجديّته، ويرتوون من معانيه، ليكتمل بذلك نموهم الفكريّ وجذورهم اللّغوية. ولطالما كانت القراءة ملاذ المستضعفين يحتمون في طيّاتها من صقيع النفوس وهي من هذا المنطلق أنقذت ملايين البشر من الانزلاق في براثن الوحدة، حتى ارتقت مجتمعات كان أساسها الفكر والكلمة.
في مجتمعنا اللّبناني اليوم، ومع ما نشهده من انهيار طال جميع القطاعات يقف القارئ بحسرة شديدة لا حيلة في يده سوى الصراخ بأبجديّة تندثر من بين أصابعه، يراقب القطاع الثقافي الذي أبحرَ في سفينة صدئة مزَّقت العاصفة الاقتصادية أشرعتها فتوقفت رحلتها في بحر من الأحلام التي علقت طوعاً.
إذن، كيف أثرت الأزمة الاقتصادية على العلاقة بين القارئ والكتاب الورقيّ؟
إنّ انخفاض قيمة العملة الوطنيّة مقابل العملة الصعبة أدى دوراً كبيراً في تحويل الكتاب من متطلب رئيس لدى القراء إلى متطلب ثانوي. بطبيعة الحال الإنسان بات يخيّر نفسه بين القراءة ولقمة العيش، وهذا يعود إلى ارتفاع أسعار الكتب بشكل جنونيّ لدى الكثير من دور النشر التي باتت تعتمد على العملة الصعبة، ولسعر الصرف اليومي لبيع الكتب وتوزيعها على المكتبات. وهذا الأمر انعكس بشكل سلبيّ على القرّاء ومن كان يجمع المال في شهر لشراء عدد من الكتب أصبح يجمع المال لأشهر لشراء كتاب واحد. فالقارئ اللبنانيّ يعدو خلف رغيفه الورقيّ، لاهثا جائعا ليقضم من أطياف أوراقه حرفا، فقوته الفكريّ والثقافي أصبح صعب المنال، والورق أسمى من الخبز! وفي عمق الانهيار الهائل، نلاحظ تراجع عدد الوافدين على الكتب الورقيّة فأصبحت القراءة الإلكترونية البديل الأنسب لفئة كبيرة من القرّاء والفئة الأخرى المرتبطة ارتباط وطيدا مع هذا الكتاب لجأت إلى المكتبات العامة عن غير رغبة ولكن للضرورة التي أتاحت المجال للإعارة فينعم بملمس الورق ويغرق في ضوء المعنى لفترة زمنية محددة، والبعض الآخر انكبّ في الأسواق القديمة حيث يجد فيها كتبا مستعملة فيقوم بشرائها بسعر رمزيّ.
القراءة بخير والكتاب الورقيّ أيضا هو باقٍ ولا غنى لنا عنهُ إنّ أهم مراكز البحوث والمؤسسات الدراسية الكبرى تعتمد في دراساتها وأبحاثها على الكتاب الورقيّ ورغم الانهيار المؤسف ما زال الإقبال على شراء الكتب قائما -ولو بنسبة قليلة- وهذا يؤكد أنّ جذوره متينة راسخة أبدا..
وهذا ما أوضحه لنا كل من مكتبة “الحلبي” و”فيلوسوفيا” بأنّ القراء ما زالوا يعتمدون الكتاب الورقيّ وإن بنسبة أقلّ من السابق. كما نشهد الكثير من الحملات لزرع بذور الثقاقة في فصل الانهيار مثل “قمح وكتب” التي ما زالت تبيع كتبها على السعر القديم والعديد من المكتبات التي نشأت إلكترونياً لبيع الكتب بسعر مقبول ومنخفص نذكر “فطحل” و”بوكيز” وغيرهما.

وفي مقابلة مع مديرة دار ناريمان للطباعة والنشر والتوزيع الإعلامية والأستاذة ناريمان علّوش تُعلّق وتقول: “إنّ نظرتي كقارئة تختلف عن نظرتي ككاتبة وناشرة. فالبنسبة إلي كقارئة ما زلت أنجذب إلى عنوان كتاب ما أو إصدار جديد يخصّ كاتب أهتمُّ لمنشوراته، وما زلت أبحث عن زواية تؤوي شغفي للقراءة في إحدى المكتبات حيث ألتقي بالكثير ممّن هم مثلي وممّن لم تغويهم مساحات الترفيه الالكترونية ولم تؤثر على ميولهم واتجاهاتهم، فأشعر أنّ الكتاب ما زال بخير وأن مساحة القراءة الدافئة لم تطلها العواصف الاقتصادية والسياسية.
بينما حين ألقي نظرة إلى الوسط كناشرة وكاتبة أشعر أن هناك الكثير من الثغرات التي حفرتها الجائحة ووسّعها التدهور الاقتصادي.
فمعظم القراء المتمسكين بالكتاب صاروا يلجأون إلى المكاتب العامة للقراءة او ربما استعارة كتاب أو الاستعانة بنسخة الكترونية مجانية وصار شراء الكتب عملية تحتاج إلى التخطيط والتفكير، إذن القراءة بخير لكن الكتاب الورقي ليس بخير، والمؤلف والناشر ليسا بخير. فإن لم يكُن هناك من يشتري الكتاب لدعم استمرارية الكاتب والمؤلف، فحتمًا سيحترق
وختمت الأستاذة ناريمان بقولها: أفضّل التمسّك بالأمل دائمًا والإيمان أنّ هناك نهضة ما قادمة ستعيد تصويب الأمور إلى مسارها السليم.”
إنّ واقع الكتاب الورقيّ اليوم وارتفاع سعره أزمة لا تقلّ خطورة عن ارتفاع أسعار الأسس المعيشية في لبنان، وإنّ تسليط الضوء عليها واجب على كل حرّ مبدع.
نريد لرغيفنا الورقيّ أن يحيا وأن ينمو لكي نرتقي، إنّ البلاد تسمو بالكلمة والفكر الرصين، وذاكرة المدن تتلاشى عندما تبدأ نشاطاتها الثقافية بالاندثار.
نريد قمحنا وورقنا معا.. لنستعين على نائبة الجوع والجهل بهما.

لمى التقي .

]]>
لا تنتزعوا فرحة النجاح من طلابنا . بقلم الكاتب الأستاذ محمّد مرعي https://www.ishkalyatfikria.com/archives/11301 Tue, 06 Jul 2021 11:23:53 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=11301

 

لا تنتزعوا فرحة النجاح من طلابنا .
بقلم الأستاذ محمّد مرعي

البارحة كثيرٌ حاولوا أن يقللوا من قيمة طلاب الشهادة الرسمية والمهنية لأنهم حصلوا على إفادات، وكأنهم جهلة، فاشلين، كسولين، أو مثيرون للشفقة،

أيها الاهل
لا تقتلوا طلابنا بكلماتكم ، لا تجرحوهم بعباراتكم المسيئة ، لا تنتزعوا منهم فرحة النجاح، قفوا إلى جانبهم، باركوا لهم، شجّعوهم على الاستمرار في التعلّم، والتحصيل، اجلبوا لهم الهدايا، أشعروهم بالنجاح، فرحة النجاح حلوة، حلوة جداً، هؤلاء الطلاب والطالبات لم تُقدّم لهم الإفادة على طبق من ذهب ، هؤلاء الطلبة سعوا، وضحوا، وتعبوا، واجتهدوا، وسهروا لتحقيق النجاح،حتى وإن لم تُجر الامتحانات لكنّهم سعوا وتحضّروا.
كونوا إلى جانبهم، يكفيهم الضغط النفسي الذي عاشوه، في أزمة خانقة حتى على الاهل،
كلماتكم تقتلهم، وتنزع منهم الشغف، وحبّ العلم، دعوهم يفرحوا، حفّذوهم، وشجعوهم، ف كلمات التحفيز والتشجيع هي عتبات للنجاح المتتابع.

أيها الطلاب،
أجمل عبارات التهنئة لكم، أنتم فخراً لنا وللبنان ، ليس لأحدٍ منّة عليكم، جهدكم هو ما أوصلكم.
افرحوا حتّى وإن كانت إفادة، استمرّوا في التقدّم، فالنجاح يُمنح للساعين نحو أحلامهم وليس للحالمين فقط، آمنوا بأحلامكُم وانصتوا لها، آمنوا بأنفسكم، كونوا طموحين وادرسوا جيّداً فغداً تصلوا إلى حلمكم، كونوا مبدعين،
استمروا في التقدّم والتحصيل العلمي، غداً تصنعوا التغيير والإصلاح في مجتمعنا، لا تقلقوا ستجتازوا كل العقبات أمامكم، فقط ثقوا أنّكم تستطيعون، لا تستسلموا أبدا، واصلوا الاستمرار.
مهما طال ليل تعبكم وسهركم سيزول حتماً ليحلَّ محلَّه نهار تحقيق حلمكم، ذاك الحلم الـذي سكنكم وأحاط بتفكيركم على مدار الساعة والثانية، لذلك إيَّـاكم والتوقُّف في المنتصف، ليس مكانكم الصفوف الأخيرة، حيثما تكونوا أنتم يبدأ العدُّ.

أسأل الله أن يبارك حياتكم بالسعادة ويفتح لكم أبواب النجاح دائماً و أبداً .
دمتم سامين في دروبكم
عوال في صروحكم
شامخين في المهاد
دمتم في ميدان العلم والمعرفة.
مبارك لأهلكم، ولوطننا الحبيب لبنان 🇱🇧
أراكم على القمة
أ. محمّد مرعي

]]>
بين أولاد البيوت وأولاد السياسيين- علي عزت الجباوي – طالب دكتوراة في علم الأحياء والجينات https://www.ishkalyatfikria.com/archives/11267 Tue, 16 Mar 2021 21:37:42 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=11267

بين أولاد البيوت وأولاد السياسيين-

علي عزت الجباوي – طالب دكتوراة في علم الأحياء والجينات

لستُ ممّن يتبنّون مذهباً فكريّاً معيّناً بالمعنى الإجتماعيّ الإقتصاديّ فيما يخصّ الواقع اللّبناني. فكلّ المذاهب المطروحة تاريخيّاً ممّا يسمّى يساراً أو يميناً أو شيوعيةً أو إشتراكيّةً أو رأسماليّةً هي بنت مجتمعاتها التي نشأت فيها. فالمجتمعات خاضت تجاربها وتطوّرت علاقاتها فيما بينها عبر التاريخ من داخلها ومن خارجها، وتباعاً أفرزت كلّ منها مذهبها الفكريّ الخاص المنسجم مع تجاربها، بما يتناسب مع ظروفها وتركيباتها السّكانيّة والإجتماعيّة و سلّمها القيميّ، وبما يتناسب أيضاً مع مواردها البشريّة والطبيعيّة المتاحة، ونظّرت، بناءً عليها، لطريقة حكمٍ غايتها النّهائية رفاهيّة الإنسان، والتي هي غاية موحّدة لكل المذاهب على إختلاف طرائقها.

أمّا في لبنان، فنحن لم ننتج حتّى اليوم مذهبنا الفكريّ الذي يتناسب مع واقعنا بطريقةٍ عضويّةٍ، ولذلك أسبابه الموضوعيّة. فلبنان، على نقيض ما تقول الأسطورة، ليس ضاربةً جذوره في التّاريخ، لبنان الذي نعرفه اليوم عمره فقط مئة سنة، وقد عاش في هذه المئة سنة أغلبَ تجاربه محكوماً من الخارج، إمّا مباشرةً أو غير مباشرةً، ممّا حال دون أن نراكم كلبنانيين تجربتنا الإجتماعيّةً العضويّةً، التي سيتولّد عنها توالياً مذهبَ حكمٍ لبنانيٍّ يحاكي هذه التّجربة. فجلّ ما شهدناه من أفكارٍ تبنّتها أحزابٌ أو تيّاراتٌ من مختلف المذاهب الفكريّة الموجودة على السّاحة العالميّة، كان يتمّ عبر سياسة “الباراشوت”، أي الإسقاطات الغير مبنيّة على أسس علميّة أو موضوعيّة. وبالتّالي، فشل “اليسار” اللبناني في نقل التّجربة التي حاول إسقاطها، وكذلك فشل “اليمين” في إسقاطاته، وكذلك فشل الإسلاميّون والكنسيّون والعلمانيّون، وكذلك سيفشل كل من يحاول إسقاط أفكار معلّبة مستوردة من تجارب مجتمعاتٍ أخرى على مجتمعنا، حسنةً كانت أم سيّئةً، ما لم يطوّعها مع تجربة هذا المجتمع الحديث بالمعنى الزمني.

بناءً على ما تقدّم، لا موقف مبدئيّ لديّ ضدّ الأغنياء اللّبنانيّين، مثلاً على غرار المواقف المبدئيّة السلبيّة للماركسيين، الذين يصمون أي إنسان غنيّ أنّه برجوازيّ متسلّق يضطهد البروليتاريا. بتاتاً، لا أقارب الموضوع بهذه العقيدة، فليس بالضّرورة أن يكون وجود طبقة غنيّة في لبنان يعني حتميّة وجود صراع طبقيّ، فالغنى، مبدئيّاً، قد يكون ناتجاً عن عملٍ مستحقٍ لا يتنافى قطّ مع القيم الإنسانيّة. لكن! لكن! ممّا لا شكّ فيه، أنّ مظاهر الغنى لدى الطبقة السياسيّة، أو ما أسميها مجازاً “الكمخة السياسيّة”، الحاكمة منذ إعلان لبنان الكبير حتى يومنا هذا، هي مدعاة لكثيرٍ من التساؤلات والإنتقادات وحتّى السّخط والمباهلة، ولو كنّا في بلدٍ طبيعيٍّ، فهي حتماً مدعاةٌ للمساءلة والمحاسبة.

أولاً، من هم هؤلاء السّياسيون؟ بإيجازٍ مفيدٍ، تتشارك غالبيّة السيساسيّين الذين تعاقبوا على الحكم في لبنان منذ ١٩٢٠ بظاهرةٍ بارزةٍ، وهي أنّهم يتحوّلون تلقائيّاً إلى أغنياء إثر تولّيهم الحكم، بغض النّظر لأيّ طبقة إجتماعيّة إنتموا سابقاً ونشؤوا وترعرعوا، وبغض النّظر عن إنتماءاتهم للقبائل الطّائفية المتعدّدة التي يتحصّنون خلفها لإضفاء شرعيّتهم. إنّ هذه الظاهرة في الغنى المتوازي مع تولّي السلطة تنطبق على الكلّ تقريباً، والإستثناءات لا تتجاوز أصابع اليد. وهذه الظّاهرة، بإستدلالاتٍ بسيطةٍ، يمكن تفسيرها بسهولةٍ أنّها ناتجةٌ عن سوء إستعمال السّلطة، والرّكون للفساد والإرتشاء ومراكمة الثروات على حساب المنفعة العامّة. وهنا، يصبح السّخط على الأغنياء من السياسيين مشروعاً، لا بل يصبح حقّاً مكتسباً للبنانيين الذين يرزحون بين مطرقة الفقر والإذلال والإستزلام في وطنهم، وسندان الإضطرار للهجرة والإغتراب هروباً من مآسيهم اليوميّة.

أمّا بالعودة إلى عنوان المقال “بين أولاد البيوت وأولاد السياسيّين”، فهنا يمتلئ قلب المرء قيحاً، ويُشحن صدره غيظاً، ويُجرّع نغب التّهمام أنفاساً. ففي حين يكافح “أولاد البيوت” منذ يفتحون عيونهم على الدّنيا من أجل بلوغ حياةٍ كريمةٍ، يكافحون، حرفيّاً، هي عمليّة كفاحٍ، كفاحٍ مستميتٍ، يتنعّم أولاد السّياسيين بأموالنا، فيأكلون من الطعام أشهاه، ويحتسون من الشّراب ألذّه، ويرتدون من الملابس أفخرها، ويتعلّمون في مدارس وجامعات العالم الأول، ويركبون من السّيّارات والطائرات الخاصّة أفخمها، ويسوحون في أغلى المدائن والأمصار، ويتسكّعون في أبهى الحانات وفي أعرق الأوتيلات.

أعرفهم، أعرفهم عن قربٍ، معرفةً شخصيّةً حسّيّةً، أعرف الإثنين معاً، أعرف من أولاد البيوت من يوفّر القرش ويحرم نفسه النّزهة أو الملابس الجديدة أو حفل الشّواء أو علاقة الحبّ لكي يدفع قسطه أو إيجاره أو يعيل أحبّته، وأعرف من أولاد السياسيين من يرتدي ساعةً في معصمه يضاهي ثمنها تعويض نهاية الخدمة، أو حذاءً يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور أضعاف مضاعفة، أو يتسكّع في أوتيل إيجار غرفته يوازي كلفة عمليّة جراحيّة لمواطنٍ يموت على باب مستشفى، أعرف سفراتهم المترفة وحفلاتهم الصّاخبة على اليخوت وأصناف الأطعمة البحريّة التي يستعرضونها … وأعرف من أولاد البيوت من عاش على سندويشات الزعتر والزيت والطعام البائت، من ذهب من بيته إلى مدرسته أو جامعته أو وظيفته سيراً على الأقدام ليوفّر أجرة المواصلات، من كان غاية آماله بيت بنافذتين وباب يملؤه حبّاً وأطفالاً ولم يستطع لذلك سبيلاً. أولاد البيوت يقرؤون كتبهم على ضوء الشموع ويتفوّقون، وأولاد السياسيين يتصوّرون إستعراضاً مع كتبٍ لا يجيدون قراءتها في طائراتهم الخاصّة. أختم، “إنّي لا أرى الموتَ إلّا سعادةً، والحياةَ مع الظالمين إلّا برَماً.” اللعنة عليكم. والسلام.

]]>
الإنتاج وحده خلاصنا – علي عزت الجباوي – طالب دكتوراة في علم الأحياء والجينات https://www.ishkalyatfikria.com/archives/11262 Thu, 11 Mar 2021 12:25:32 +0000 https://www.ishkalyatfikria.com/?p=11262

الإنتاج وحده خلاصنا –
علي عزت الجباوي – طالب دكتوراة في علم الأحياء والجينات

مع أنّي لا أستسيغ جبران خليل جبران ولا أعتبره أيقونة الأدباء اللبنانيين، فهو كان خجِلاً بأصله كإبن عائلة فقيرة، أما أدبه ففيه من الغلاظة الفكرية ما فيه، وهو بالمناسبة يركن إليه للتنظير للأسطورة اللبنانية البالية وللنموذج التكاذبي للعيش المشترك، الذي يدفعنا كل عشرين عام إلى حرب أهليّة دمويّة. ومع ذلك، لست هنا في معرض نقد جبران ولا أدبه، بل على العكس تماماً، لجبران مقولةٌ مأثورةٌ إستحضرتني اليوم إزاء ما يحدث في لبنان في ظل الإنهيار الإقتصادي الإجتماعي، ورعونة وعدم أهلية الطبقة الحاكمة في إختلاق الحلول.

يقول جبران، وأقتبس: “ويلٌ لأمّةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر …” في هذه العبارة مكمن الداء ومكمن الدواء. بعدما كان أجدادنا يملؤون إهراءات روما بإنتاجهم، عاش شعبنا في الثلاثين عام المنصرمة على الإستيراد. نحن نستورد كل شيء، حرفياً كل شيء، سياراتنا، مواد بناء وأثاث منازلنا، طعامنا، شرابنا، دواءنا، معداتنا الطبية، ملابسنا، هواتفنا، حواسيبنا … وكان هذا الإستيراد يموّل عبر الإستدانة من الخارج أو عبر سلب أموال الناس وأماناتهم في المصارف. واليوم “خلصوا المصريّات” وكان الإنهيار.

لا يحمل الناس كأفراد مسؤولية ما حصل، فالإستيراد كان سياسة الدولة بكلّها وكلكلها، وفي سياق إنفاذ هذه السياسة، غابت الدولة عن دعم أي محاولة للإنتاج فقضت عليه وعلى فرصه، وصُوّر للناس أنّهم عبر وظائف ريعيّة في الدولة أو القطاع الخاص الخدماتي يضمنون حياتهم. وكانت سياسة الإستيراد تقدم للمجتمع في إطارٍ زبائنيٍّ، كرشوة يقدّمها كل زعيم لجماعته بعد حرب ضروس دامت خمس عشرة سنة، أنهكت الناس ودمرت واقعهم وبددت أحلامهم. لكن هذه السياسة كانت لعبة قمار، نعم، لقد قامروا بنا، وراهنوا على تسويات خارجية تمحى خلالها ديون لبنان، لكن لعبة القمار هذه كان مصيرها الخسران المتجلي بالإنهيار الحاصل. طيب، الحل؟ هل نبقى أسرى هذا الواقع المرير، نضع أيدينا على خدودنا ونلطم: وا دولاراه؟

أي حل سياسي تسووي داخلي كان أم خارجي لا يلحظ تغيير جذري لهذه السياسات الإستهلاكية، سيكون بنجاً مؤقتاً يؤجل إنهيارنا القادم. الحل لمشكلتنا البنيوية لا بد أن يكون حلّاً بنيوياً. والحل واضح، دقيق، ومحدد، العودة إلى الإنتاج. الإنتاج الزراعي الذي يحقق أمننا الغذائي، والإنتاج الصناعي الذي يؤمن حاجياتنا المعقولة، والإنتاج التكنولوجي الذي نملك موارده البشرية وهي أساسه، والإنتاج العلمي الذي نملك طاقاته. أمّا نواة هذا الحل، فهي الوعي والإرادة، وهذه مسؤولية فردية، أن نقتنع حقيقةً ألا خلاص لنا إلّا بأن ننتج حاجياتنا. فبدل أن نصارع على علبة حليب، لدينا ما يكفي من الأراضي والمشاعات والموارد البشرية والطبيعية أن نصنع حليب أطفالنا، وبدل الهلع من إنقطاع الدواء، لدينا ما يكفي من الموارد البشرية القادرة على صناعته، وبدل إستجداء الخبز من الأفران، لدينا ما يكفي من العقول والزنود السمراء أن نغرس قمحنا … وعدا ذلك، عود على ذي بدء: “ويلٌ لأمّةٍ تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر …”

]]>