حين يصبح للإنسان نسخ: الذكاء الاصطناعي وقلق الفناء

بقلم أ.د. أنور الموسى

في تجربة بسيطة، أرسلت صورتي التي التقطت على متن قارب بمدينة صيدا بعز الحرب، إلى الذكاء الاصطناعي، وطلبت منه أن يصنع لي صورًا مختلفة مني. في صورة ظهر أنور وهو يلتقط صورة، وفي أخرى بدا كأنه يصعد فوقي، وفي ثالثة كان يقرأ في هاتفه، وفي صور أخرى ظهر جالسًا أو مستلقيًا أو في أوضاع لم أعشها أصلًا، وصورة جلس فيها على رأسي… لم تكن الصور مطابقة لي تمامًا، لكنها كانت قريبة بما يكفي لتجعلني أتوقف طويلًا أمام الشاشة.
للمرة الأولى شعرت بأني لا أنظر إلى صورة واحدة لي، بل إلى مجموعة من الاحتمالات التي يمكن أن أكونها. لم يعد السؤال هنا كيف أبدو؟ بل صار يعكس كم أنور يمكن أن يكون هناك؟!

ربما تبدو المسألة لعبة تقنية بسيطة، لكنها من الناحية النفسية أعمق مما تبدو عليه. فالإنسان منذ طفولته يحاول أن يعرف نفسه من خلال صور الآخرين عنه. يسمع اسمه، يرى وجهه في المرآة، ثم يرى صورته في الصور الفوتوغرافية، ويسمع صوته في التسجيلات، ويشاهد حركته في الفيديو. وفي كل مرة يكتشف شيئًا جديدًا عن نفسه.

وكانت المرآة تقول لنا مثلا: هذا وجهك الآن. وكانت الصورة تقول: هكذا كنت في لحظة مضت. أما الذكاء الاصطناعي فيفعل شيئًا جديدًا، إذ إنه لا يكتفي بعرض ما كان، بل يستطيع أن يقترح ما يمكن أن يكون. وهنا تبدأ المسألة النفسية.

فالإنسان لا يعيش بشخصية واحدة بسيطة كما نتخيل أحيانًا. داخل كل واحد منا صور كثيرة عن نفسه، صورة الإنسان الذي نحن عليه، وصورة الإنسان الذي نريد أن نكونه، وصورة الإنسان الذي كان يمكن أن نصبحه لو اتخذنا قرارات أخرى، وصورة الطفل الذي ما زال يعيش في داخلنا، وصورة الشيخ الذي نتخيله في المستقبل، أو حتى صورتنا ونحن في كفن!

علم النفس تحدث طويلًا عن هذه المسافة بين الذات الواقعية والذات التي نطمح إليها. لكن الذكاء الاصطناعي يمنح هذه المسافة شكلًا مرئيًا. يستطيع أن يأخذ صورة الإنسان الحقيقية، ثم يصنع منها احتمالات كثيرة: أنور الكاتب، أنور الباحث، أنور المسافر، أنور الطفل، أنور العجوز، أنور الذي لم يصبح أستاذًا، أنور الذي أصبح شيئًا آخر، وربما أنور الذي لم يعش أصلًا.

وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لصناعة الصور إلى مرآة نفسية جديدة.

أنا الواقعي وأنا الممكن
ربما تكمن قوة الصورة التي صنعتها الآلة في أنها تجعلنا نواجه سؤالًا قديمًا بطريقة جديدة: من أنا؟

قد ينظر الإنسان إلى نسخة رقمية منه فيشعر بالفرح، وقد يشعر بالغرابة، وقد يحزن، وقد يخاف. فالنسخة قد تكشف له شيئًا كان يخفيه عن نفسه. وقد تمنحه صورة عن ذاته التي يتمنى أن يكونها. وقد تجعله يقارن بين حياته الحقيقية وحياة افتراضية تبدو أجمل وأكثر حرية.ووهنا يمكن أن يظهر ما أسميه، على سبيل البحث لا بوصفه تشخيصًا نفسيًا معتمدًا، «قلق الهوية الرقمية»: ذلك الشعور الذي قد ينشأ عندما تصبح لدينا صور ونسخ رقمية كثيرة عن أنفسنا، بحيث لا نعود نسأل فقط: من أنا؟ بل: أيّ نسخة مني هي أنا؟

وقد يصبح السؤال أكثر تعقيدًا عندما تكون النسخة التي صنعتها الآلة أكثر نجاحًا أو جمالًا أو حضورًا من صاحبها الحقيقي. ماذا يحدث لإنسان يرى نفسه في صورة افتراضية شابًا، قويًا، مشهورًا، محاطًا بالناس، بينما يجلس وحده أمام الشاشة؟

قد يحب صورته الجديدة، وقد يتعلق بها، وقد يشعر بأن حياته الواقعية أقل من الحياة التي صنعتها الآلة له. هذا يفتح بابًا نفسيًا مهمًا: هل يمكن أن يصبح الإنسان غريبًا عن صورته الواقعية لأنه أحب صورته الافتراضية أكثر؟

المسألة لا تتعلق بالغرور وحده. إنها تتصل بحاجتنا العميقة إلى أن نستمر. فالإنسان يعرف، في مكان ما من داخله، أنه فانٍ. يعرف أن الجسد يتغير، وأن الذاكرة تضعف، وأن الصوت يصمت في النهاية. ولذلك ظل الإنسان منذ أقدم العصور يحاول أن يترك شيئًا منه بعد غيابه: كتابًا، قصيدة، صورة، بيتًا، ولدًا، أثرًا، أو حكاية يرويها الآخرون.

اكن التكنولوجيا تفتح بابًا جديدًا. ماذا لو لم يبقَ بعد موت الإنسان مجرد صورة جامدة؟ ماذا لو بقي صوته وكتاباته وصوره وطريقة كلامه، ثم استطاعت الآلة أن تصنع منها شخصية رقمية تشبهه؟ هنا يصبح الخوف من الموت أكثر تعقيدًا. قد لا يعود السؤال: هل سأموت؟ بل: ماذا سيبقى مني بعد موتي؟ وهل ما سيبقى مني سيكون أنا، أم مجرد أثر يشبهني؟

في هذه النقطة تذكرت نصًا شعريًا كتبته ذات مرة، وكأن القصيدة كانت تتحدث عن هذا القلق قبل أن أضع له اسمه النفسي:

«و حين اشتعل النص شيبًا، وغدا صمت الأحرار عيبًا، وأمسى احتلال الأوطان أسرًا… بت كفراشةٍ على قاربِ أحزان، أبحر صوبَ جزيرةِ الأكفان… متنفسًا من رئتي عذاب، ومحاصرًا بين لُجّةِ صمتٍ وكتاب!

إذ بموجةٍ بريئة، تحبو على جناحي كئيبة، توشوشني بنغمات معينة، تهمس بلسانِ جنوبية بهية: غيمتي رسولة عظيمة، لا تخف من عتمتها؛ ففي قلبِ الغيمِ “لا” مجيبة.

أغمضت عيني كأنّي أحلمُ بالأمان،. فلمست نسختي الصغيرة، تركضُ من بينِ أجفاني المنيرة! فتحتُ عينيَّ كجناحِ طير، فإذا بأنور… أنوار صغيرة، تشع كأطفالِ نيام، يهتفون لنسيم سلام، ويعزفونَ لحرّيّة مضيئة!»

كنت أتعامل مع «نسختي الصغيرة» في القصيدة بوصفها صورة شعرية، لكن تجربة الذكاء الاصطناعي جعلتني أقرأ العبارة بطريقة أخرى. ماذا لو لم تعد النسخة مجرد صورة في الخيال؟ ماذا لو أصبح بإمكان الآلة أن تمنح الخيال وجهًا وجسدًا وحركة؟ هنا تلتقي التكنولوجيا بالشعر، ويلتقي الخيال بعلم النفس.

فالنسخة التي نراها على الشاشة قد لا تكون نسخة حقيقية منا، لكنها قد تكون نافذة إلى جزء من أنفسنا. قد تكشف رغبة، أو خوفًا، أو حنينًا، أو حياة لم نعشها. ولهذا قد يصبح التعامل مع الصور التي يصنعها الذكاء الاصطناعي موضوعًا مهمًا في علم النفس في السنوات المقبلة.وربما هنا يمكن للأدب أن يؤدي دورًا جديدًا أيضًا.

في مشروعي في «العلاج التفاعلي بالأدب»، أنطلق من فكرة أن النص ليس مجرد كلام نقرأه، بل يمكن أن يصبح مساحة للقاء الإنسان بنفسه. النص يتيح للإنسان أن يرى شيئًا من داخله من خلال شخصية أو صورة أو حكاية، ثم يتحاور معها ويكتب عنها ويعيد اكتشاف ذاته من خلالها.

واليوم أسأل نفسي: ماذا لو أصبحت الصورة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي نوعًا آخر من هذه المرآة؟ةماذا لو جلس الإنسان أمام صورة من صنع الآلة، وقال لها: هذه أنا؟ ثم عاد وقال: لكنها ليست أنا!

وربما كانت تجربتي الشخصية أكثر غرابة من ذلك كله. أنا أعمل منذ مدة على مشروع «العلاج التفاعلي بالأدب»، وأحلم بأن يتحول هذا المشروع يومًا إلى مدرسة علاجية عربية رائدة. لكنني أعمل في كثير من الأحيان وحدي، وأحمل في رأسي عشرات الأفكار والكتب والمشروعات في الوقت نفسه. وعندما رأيت صورًا متعددة مني أمام الشاشة، خطر لي سؤال طريف لكنه يحمل شيئًا من الجدية: ماذا لو كنت فعلًا «جمع أنور»؟ةماذا لو كان هناك أنور يكتب، وأنور يبحث، وأنور يدرّس، وأنور يقرأ علم النفس، وأنور يعمل على العلاج التفاعلي بالأدب، وأنور يجلس مع أسرته، وأنور يحلم، وأنور يخاف، وأنور يتعب، وأنور يواصل الطريق؟

ربما لا يحتاج الإنسان إلى الذكاء الاصطناعي كي يكون له أكثر من وجه. نحن أصلًا نعيش بأوجه نفسية كثيرة. الجديد أن التكنولوجيا بدأت تجعل هذه الأوجه مرئية.

وهنا ربما تكمن المفارقة الجميلة والمخيفة في الوقت نفسه: الذكاء الاصطناعي قد لا يصنع لنا نسخًا حقيقية، لكنه قد يجعلنا نكتشف أن داخل كل إنسان نسخًا كثيرة منه.

والسؤال الأكبر يتعلق بالموت.

إذا استطاع الإنسان يومًا أن يترك وراءه صوته وصورته وكتاباته وطريقة كلامه وذكرياته، ثم استطاعت الآلة أن تحاكي حضوره، فهل سيشعر أبناؤه وأصدقاؤه أنه ما زال موجودًا؟ أم أنهم سيكتشفون سريعًا أن التشابه لا يصنع الحياة؟

ربما تكون النسخة الرقمية قادرة على الكلام، لكنها لا تملك بالضرورة تلك الحياة التي عاشها صاحبها. قد تقلّد صوته، لكنها لا تعيش تجربته. قد تكتب بأسلوبه، لكنها لا تشعر بذكرياته بالطريقة التي شعر بها هو.

ومع ذلك، قد يكون هذا التشابه كافيًا لإحداث أثر نفسي عميق في الإنسان. لذلك قد يصبح السؤال في المستقبل ليس فقط: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: ماذا سيفعل ذلك بنا نحن؟ هل سيجعلنا أكثر تصالحًا مع ذواتنا، أم أكثر تعلقًا بصورة مصنوعة عنا؟وهل سننظر إلى النسخة الرقمية بوصفها لعبة، أم مرآة، أم بديلًا، أم امتدادًا للذات؟هل يمكن أن نصل إلى زمن يملك فيه الإنسان صورًا كثيرة لنفسه، لكنه لا يعرف أيّها الأقرب إليه؟وماذا لو أحب الإنسان نسخة منه أكثر من الإنسان الحقيقي الذي يعيش داخله؟ وماذا لو استطاعت الآلة يومًا أن تصنع نسخة تتحدث مثلنا، وتكتب مثلنا، وتحكي قصصنا، وتستعيد صورنا؟ هل ستكون تلك النسخة «نحن» أم أن الإنسان سيظل، مهما كثرت نسخه، ذلك الكائن الوحيد الذي لا تستطيع الآلة أن تجيب عنه بدلًا منه حين يسأل:من أنا؟وماذا سيبقى مني عندما أغيب؟!…