سرقة العقول… من لصّ النص إلى سارق الهوية!

بقلم أ.د. أنور الموسى

مقال نُشر للمرة الأولى في جريدة «الأنوار» قبل تسع سنوات، ويُعاد نشره اليوم، بعدما بقيت ظاهرة السرقة الفكرية والأدبية حاضرة، وإن تبدّلت أدواتها ووسائلها.

…انضم شاعر كبير مشهور إلى مجموعة أدبية في عالم الفايسبوك. بدأ يتصفح الأشعار… إذ بقصائد له منشورة وموقعة باسم صديقه الذي كان يعطف عليه، فدب الشجار بينهما، ليصل إلى مرحلة اللاثقة، والجفاء، والعداوة والخصام… هذه الحادثة ليست بالوحيدة في ميدان السرقات الأدبية التي باتت مؤخرا، تعد ظاهرة خطيرة… إذ يشكو بين الفينة والأخرى، رواد الفايسبوك، والكتاب، من سرقة نصوصهم، وتوقيعها بأسماء أخرى حقيقة أو وهمية، فترتفع الصرخة الاحتجاجية، لتصل إلى نشر إثبات السرقة في صفحات معدة أساسا للتشهير بالسارقين، أو نشرها في صفحاتهم الخاصة، مع التهديد بالطرق القانونية…

الأسئلة المطروحة هنا: ما صحة هذه الظاهرة؟! ولمَ يلجأ الناسخ/منتحل النصوص إلى السرقة؟ وما موقفه بعد كشفه متلبسا؟ وهل من إجراءات قانونية تردع السارق؟!

الواقع أن سرقة النصوص من حسابات الفايسبوك، لا تقتصر على المقالات المختصرة إجمالا، بل تطال أيضا القصائد والخواطر، وحتى النصوص السردية. فصحيح أن نصوص الغزل والجمال تأخذ حيزا مهما من النصوص المنهوبة، لكن ما دام الأمر مباحا، وسهلا، فكل نص مهما كان جنسه أو نوعه، يبقى عرضة للنهب، كالخواطر، والرثاء، والنكات، والصور، حتى المقالات والتحقيقات -على قلتها- علما أن السرقة تطال مواقع الكترونية مشهورة فضلا عن الفايسبوك!

والسرقة لا تنشر في حسابات حقيقية أو وهمية فحسب، بل قد تنشر في المواقع، وحتى الصحف والمجلات ومنشورات أخرى. وقد يرفض بعض الناسخين مقولة سرقة، فيدعون أنهم نسوا ذكر اسم الكاتب، أو أنهم لم ينسبوا النص لهم، ففي الحالة الأخيرة، يعد ذلك التسويغ غير منطقي، كون من سيقرأ البوست، سيظن حتما أن النص للسارق، ولا سيما إن استمر السارق بتلقي اللايكات وتعليقات الإعجاب، والردود عليها، من دون أن يوضح أن النص منقول وليس له! والغريب حقا، أن تغدو نصوص الفيسبوك مادة دسمة لأشباه الأميين، فينسخون النص كاملا، بلا مشاركة، أو بلا الإشارة إلى صاحبه الأصلي. وحين تكشفهم، يدعون أنهم نسوا الاسم، أو أن النص ورد لهم من صديق…!

ونظرة سريعة إلى النصوص المسروقة، تبين جودتها ونجاحها في صفحات أصحابها… والأغلب الأعم أن من يسرق لا يكون من أصدقاء المسروق في الفايسبوك… فيظن ان كشفه مستحيل أو صعب جدا. وقد يكشف السارق من طرق جمة؛ كأن يكون للمسروق حساب آخر، أو قد يبلغه صديقه أو قريب أن نصه سرق… أو قد ينضم إلى صفحات جماعية أو منتديات وملتقيات أدبية من دون دراية السارق!

الامتعاض والغضب يسود قلب المسروق الذي يشعر بالغبن، لأن تعبه وجهده الفكري سلب، وقد يلجأ إلى التهديد الكلامي أو الشتائم… وحين يكون السارق صديقه، يحضره من حسابه، مع الشجار والخصام والتهديد والتشهير أحيانا! واستحدث في الفايسبوك مؤخرا صفحات غايتها نشر النص المسروق مع الحساب والاسم وتاريخ نشره من صاحبه، وتاريخ نشره وهو مسروق… واللافت أن السارق عادة لا يكلف نفسه مشقة تغيير العنوان على الأقل، وينسى أحيانا حذف اسم الكاتب الحقيقي. والأنكى أنه يستقبل التعليقات في حال نشره في الفايسبوك، وكأنه صدق كذبته في أن النص المسروق من إبداعه…

في رأيي، هناك أسباب جمة وراء سرقة البوستات والنصوص من الفايسبوك، منها عامل الشهرة، والغيرة، وقصور ثقافي ومعرفي وأكاديمي وعلمي عند السارق، وسهولة السرقة عبر الفايسبوك، والتشويش على بعض المبدعين، والحسد، والإعجاب بالنصوص الرفيعة إلى درجة الأنانية، والنرجسية التي ترفض التفوق أو النجاح للآخرين…

صحيح أن المسروق قد يهدد بالطرق القانونية، لكن الأمر صعب، ويبقى التهديد كلاما في الهواء، لأن حقوق الملكية في الفايسبوك، تحتاج إلى جهود دولية، وتشريعات قد لا نشهدها في هذا العصر، فضلا عن أن العالم الافتراضي شاسع وهائل… والكلام في الحقوق قد يجعل الباحث ضائعا في بحر… لكن جل ما يفعله المسروق، حضر حساب السارق أحيانا، ودعوة أصدقائه إلى حضره أو الإبلاغ عنه، أو فضحه والتشهير به في صفحات ومجموعات مخصصة لهذه الغاية، أو السكوت على مضد، أو التعلم من أخطائه وعدم نشر النصوص كاملة، أو توثيقها بموقع ثابت أو صحيفة أو ديوان قبل النشر فيسبوكيا…!

ولعل الجديد اليوم، بعد مرور تسع سنوات على كتابة هذه السطور، أن الذكاء الاصطناعي فتح بابا آخر من أبواب السرقة الفكرية والأدبية؛ فلم يعد السارق بحاجة إلى نسخ النص كاملا ولصقه في حسابه، بل باتت النصوص قابلة لإعادة الصياغة والتوليد والتقليد بسرعة هائلة، وقد يُعاد إنتاج فكرة الكاتب أو أسلوبه أو بنية نصه بواسطة أدوات ذكية، بحيث تصبح عملية اكتشاف الأصل أكثر تعقيدا. كما ظهرت مشكلة أخرى تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج نصوص تبدو شخصية وأصيلة، ثم تقديمها على أنها نتاج الكاتب نفسه، أو إدخال نصوص كتّاب آخرين في أدوات الذكاء الاصطناعي وإعادة إنتاجها من دون إذنهم أو الإشارة إلى أصحابها. وهكذا انتقلت السرقة من مجرد «نسخ النص» إلى منطقة أكثر تعقيدا: سرقة الفكرة، والأسلوب، والهوية الإبداعية، وإعادة تدويرها بوسائل تقنية يصعب أحيانا معها تحديد حدود الاقتباس والانتحال. ولعل التحدي الأكبر في السنوات المقبلة لن يكون فقط: من كتب هذا النص؟ بل أيضا: من صاحب الفكرة الأصلية؟ ومن يملك حق إعادة إنتاجها أو تحويلها بواسطة الآلة؟!

مجمل القول: إن السرقة هي سرقة، سواء كانت لنص أو لمصرف وبنك… فصحيح أن قلة من النصوص المسروقة تكشف، لكن هناك بوستات وأشعارا هائلة تسرق يوميا، بلا كشف صاحبها أو معرفة المسروق. فبدلا من أن يعرض السارق نفسه لفضيحة افتراضية ثم حقيقية، فليطور قلمه أولا، وليتعلم معايير الأمانة العلمية، كالموضوعية، ونسبة الفضل لصاحبه، عبر مشاركة المنشور، وذكر اسم صاحبه، تحت شعار: فلنحب لصديقنا الكاتب ما نحب لأنفسنا… ونكره له ما نكره لأنفسنا…! فمتى نصل إلى ثقافة الأمانة وعزو الفضل لأهله؟!..